مجمع تحت الأرض.. كيف يعيد ترامب هندسة “غرفة الحرب” الأمريكية بالبيت الأبيض؟
في قلب معركة قانونية وسياسية محتدمة داخل واشنطن، يعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليفتح ملفا شديد الحساسية حول إعادة بناء منظومة الأمن الرئاسي من تحت الأرض. فبينما يتوقف مشروع قاعة الاحتفالات الفخمة بسبب حكم قضائي يشترط موافقة الكونجرس، تستمر أعمال الحفر والبناء في العمق، حيث يجري التخطيط لإنشاء مجمع عسكري متكامل أسفل البيت الأبيض.
المشروع، الذي يصفه المسؤولون بأنه “ضروري للأمن القومي”، يثير تساؤلات واسعة حول حدوده الحقيقية، وطبيعته، وما إذا كان يمثل مجرد تحديث دفاعي أم تحولًا استراتيجيًا في طريقة تفكير واشنطن بشأن التهديدات القادمة وهي الأسئلة التي تضعها مجلة تايم في صدارة تغطيتها.
القصة تبدأ من قرار هدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض في خريف 2025، وهو قرار أثار اعتراضات حادة من مؤسسات الحفاظ على التراث، التي اعتبرت الخطوة انتهاكا قانونيا. ومع تصاعد النزاع، تدخل القضاء ليوقف الأعمال فوق سطح الأرض، لكنه ترك نافذة مفتوحة لاستمرار ما يُصنّف ضمن “ضرورات الأمن”. هذه النقطة تحديدًا هي ما استندت إليه الإدارة الأمريكية لمواصلة مشروعها تحت الأرض، حيث يجري العمل بعيدًا عن الأنظار، وبمستوى عال من السرية.
المجمع الجديد، بحسب ما تسرب من وثائق وتصريحات محدودة، لن يكون مجرد ملجأ تقليدي، بل بنية عسكرية متكاملة. ويبدو أن الحديث يدور عن منشأة تضم مراكز قيادة واتصالات محصنة، أنظمة دفاع بيولوجي، مرافق طبية متقدمة، وحتى ملاجئ قادرة على تحمل هجمات معقدة تشمل الصواريخ والطائرات بدون طيار. كما تشير المعلومات إلى استخدام مواد بناء فائقة التحصين، مثل أعمدة فولاذية مقاومة للصدمات، وأسقف مصممة لمواجهة التهديدات الجوية الحديثة، إضافة إلى زجاج مقاوم للرصاص والانفجارات في المنشآت المرتبطة بالمشروع.
لفهم أهمية هذه الخطوة، يجب العودة إلى الأصل، أي إلى مركز عمليات الطوارئ الرئاسي (PEOC)، وهو الملجأ الذي بني خلال الحرب العالمية الثانية أسفل الجناح الشرقي. هذا المركز ظل لعقود أحد أسرار واشنطن المعروفة جزئيًا، حيث صمم لحماية كبار المسؤولين في حالات الهجوم، مع توفير قدرات اتصال وإدارة أزمات. وقد استخدم بالفعل في لحظات حرجة، أبرزها هجمات 11 سبتمبر 2001، حين نُقل إليه مسؤولون كبار لضمان استمرارية القيادة.
لكن الفارق بين الماضي والحاضر يكمن في طبيعة التهديدات. في زمن الحرب الباردة، كان الخطر الرئيسي يتمثل في ضربة نووية مباشرة، أما اليوم، فالمشهد أكثر تعقيدًا: هجمات سيبرانية، وطائرات مسيرة، وأسلحة بيولوجية، وصراعات متعددة الأبعاد. هذا التحول يفسر، جزئيا، لماذا لم يعد تحديث الملجأ كافيا، بل أصبح المطلوب هو إعادة تصميم كاملة لمنظومة القيادة في حالات الطوارئ.
وتعكس تصريحات ترامب هذا التوجه بوضوح، حيث أشار إلى أن المشروع يشمل “كل شيء”، من أنظمة الاتصالات المؤمنة إلى البنية الطبية، مرورًا بملاجئ القنابل. كما ألمح إلى أن قاعة الاحتفالات نفسها ستكون بمثابة غطاء فوقي لمنشأة عسكرية تحتها، في تصميم يجمع بين الرمزية السياسية والوظيفة الأمنية. هذا الربط بين السطح الاحتفالي والعمق العسكري يختصر فلسفة المشروع: القوة الناعمة فوق الأرض، والصلابة القصوى تحتها.
ومع ذلك، تبقى الصورة غير مكتملة. المسؤولون، بمن فيهم جهاز الخدمة السرية، يقرون بأهمية المشروع، لكنهم يرفضون الكشف عن تفاصيله، مشيرين إلى طبيعته “شديدة السرية”. حتى في الوثائق القضائية، تظهر المعلومات مجتزأة، مع استعداد لتقديم التفاصيل الكاملة فقط داخل جلسات مغلقة. هذا الغموض يعزز الجدل: هل نحن أمام تحديث دفاعي طبيعي، أم بنية تتجاوز ذلك نحو نموذج جديد لإدارة الحروب من داخل الأراضي الأمريكية.
سياسيًا، يعكس المشروع تحولات أعمق. فعلى مدار عقود، اعتمدت الولايات المتحدة على مبدأ إبعاد الحروب عن أراضيها، لكن إنشاء مجمع بهذا الحجم تحت البيت الأبيض يوحي بأن هذا الافتراض لم يعد مضمونًا. فواشنطن، كما يبدو، تستعد لسيناريوهات تصبح فيها هي نفسها هدفًا مباشرًا، وليس فقط مركزًا لإدارة العمليات الخارجية.
ولا يتعلق الأمر فقط بمنشأة تحت الأرض، بل برؤية كاملة لمستقبل الأمن القومي الأمريكي. المشروع، سواء اكتمل أو تعثر، يكشف أن عصر “الملجأ التقليدي” قد انتهى، وأن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها مراكز القيادة نفسها ساحات محصنة للصراع. وبين السرية والجدل، يبقى السؤال مفتوحًا: هل هذا المجمع هو درع وقائي أم إشارة مبكرة إلى عالم أكثر خطورة مما تتوقعه واشنطن.