الاتفاق النووي بين واشنطن والرياض.. شراكة تاريخية أم بداية سباق نووي جديد؟
بعد سنوات من المفاوضات والشد والجذب، دخلت العلاقات الأمريكية السعودية مرحلة جديدة مع إقرار اتفاق التعاون النووي المدني، وهو اتفاق وصفته صحيفة وول ستريت جورنال بأنه فوز كبير للمملكة، وأحد أهم التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. فالصفقة لا تقتصر على بناء مفاعلات لإنتاج الكهرباء، بل تمتد إلى إعادة رسم خريطة النفوذ السياسي والتكنولوجي في المنطقة، مع ما تحمله من فرص اقتصادية هائلة ومخاوف أمنية معقدة.
برنامج نووي مدني بطموحات استراتيجية
ووفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، يمنح الاتفاق السعودية فرصة تطوير برنامج نووي مدني متكامل يهدف إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
ويتوقع أن يشمل البرنامج إنشاء مفاعلات لإنتاج الكهرباء، مع مشاركة شركات أمريكية كبرى، وفي مقدمتها شركة وستنجهاوس، في تصميم وبناء وتشغيل أجزاء رئيسية من المشروع، وهو ما يفتح الباب أمام عقود تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات، ويوفر آلاف فرص العمل داخل الولايات المتحدة.
وستنجهاوس في قلب المشروع
ترى وول ستريت جورنال أن الجانب الاقتصادي يمثل أحد أهم دوافع الاتفاق بالنسبة لواشنطن، إذ يعيد الشركات الأمريكية إلى المنافسة في سوق الطاقة النووية العالمية، بعد سنوات من توسع الشركات الروسية والصينية في هذا القطاع.
ويمنح الاتفاق الولايات المتحدة فرصة لترسيخ وجودها في واحد من أكبر مشاريع الطاقة المستقبلية في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على نفوذها التقني داخل البرنامج النووي السعودي.
بند التخصيب يشعل الجدل
ورغم المكاسب الاقتصادية والسياسية، فإن أكثر بنود الاتفاق إثارة للنقاش يتعلق بالسماح بإقامة منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل السعودية بعد مراجعات وآليات رقابية مشتركة.
وتقول وول ستريت جورنال إن هذا البند أثار نقاشًا واسعًا داخل الكونجرس الأمريكي، لأن تقنية التخصيب تعد من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، إذ يمكن استخدامها لإنتاج الوقود النووي للمفاعلات المدنية، كما يمكن عند رفع مستويات التخصيب استخدامها في تصنيع مواد تدخل في إنتاج الأسلحة النووية.
غياب المعيار الذهبي
وأشارت تقارير رويترز وأسوشيتد برس إلى أن الاتفاق لا يتضمن ما يعرف بالمعيار الذهبي الذي يلزم الدولة المتعاقدة بالتخلي نهائيًا عن تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك.
كما أوضحت التقارير أن الاتفاق لا يشمل أيضًا إلزام المملكة بتطبيق البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما يعتبره عدد من خبراء الحد من الانتشار النووي ثغرة قد تزيد المخاوف المتعلقة بالرقابة المستقبلية على البرنامج.
مخاوف من سباق تسلح إقليمي
وترى تقارير غربية أن الاتفاق يأتي في منطقة تشهد بالفعل تنافسًا استراتيجيًا حادًا، خاصة في ظل البرنامج النووي الإيراني، الأمر الذي دفع بعض المحللين إلى التحذير من احتمال دخول الشرق الأوسط مرحلة جديدة من سباق القدرات النووية.
وتشير هذه التحليلات إلى أن امتلاك السعودية بنية تحتية متقدمة في مجال التخصيب قد يدفع قوى إقليمية أخرى إلى المطالبة ببرامج مماثلة، حتى وإن ظلت جميعها تحت المظلة السلمية المعلنة.
واشنطن تراهن على النفوذ
من وجهة نظر الإدارة الأمريكية، يوفر الاتفاق فرصة للحفاظ على النظام السياسي والتقني داخل البرنامج النووي السعودي، بدلًا من ترك المجال أمام منافسين مثل روسيا أو الصين لقيادة هذا المشروع.
كما يمنح واشنطن دورًا مباشرًا في التكنولوجيا المستخدمة وسلاسل التوريد والإشراف الفني، وهو ما تعتبره الإدارة الأمريكية وسيلة أفضل لضمان الشفافية مقارنة بانتقال السعودية إلى شركاء آخرين، وفق وول ستريت جورنال.
الرياض ترى الاتفاق خطوة نحو المستقبل
في المقابل، تنظر السعودية إلى الاتفاق باعتباره محطة رئيسية في مسار التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الطاقة، إضافة إلى تعزيز قدراتها الصناعية والتكنولوجية في قطاع يعد من أكثر القطاعات تقدمًا على مستوى العالم.
كما ترى المملكة أن تطوير برنامج نووي مدني يمثل جزءًا من استراتيجية طويلة الأجل لتلبية الطلب المحلي المتزايد على الكهرباء، وتقليل استهلاك النفط في إنتاج الطاقة، بما يسمح بتوجيه كميات أكبر من الخام إلى التصدير والصناعات ذات القيمة المضافة.
معادلة جديدة في الشرق الأوسط
يتجاوز الاتفاق كونه مشروعًا للطاقة أو صفقة اقتصادية، إذ يمثل تحولًا استراتيجيًا يعيد تشكيل موازين النفوذ في المنطقة، ويضع الولايات المتحدة في قلب أحد أكبر المشاريع النووية المدنية في الشرق الأوسط، بينما يمنح السعودية خطوة متقدمة نحو امتلاك تقنيات نووية متطورة.