الزراعة في شمال أفريقيا أمام اختبار البقاء.. المياه والمناخ والاقتصاد تحدد مستقبل الأمن الغذائي
لم تعد الزراعة في شمال أفريقيا مجرد قضية إنتاج غذائي، بل أصبحت معركة مرتبطة بالمياه والمناخ والأمن الاقتصادي. فمع تصاعد الجفاف، وتراجع الموارد المائية، وتدهور الأراضي الزراعية، تواجه دول المنطقة اختبارًا صعبًا لتأمين غذاء سكانها خلال العقود المقبلة.
ووفقًا لتقرير صادر عن معهد الشرق الأوسط، في واشنطن، بعنوان "آفاق الزراعة المستدامة في شمال أفريقيا: تقييم بطاقة الأداء"، فإن مستقبل القطاع الزراعي في المنطقة يعتمد على قدرة الدول على إدارة أربعة ملفات رئيسية: موثوقية الموارد المائية، كفاءة استخدام المياه، استدامة الأراضي الزراعية، وقوة اقتصاد الغذاء.
وشمل التقييم سبع دول هي مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، مع دراسة قدراتها الحالية ومساراتها المستقبلية في مواجهة الضغوط المناخية والاقتصادية.
المياه.. المعركة الأولى في مستقبل الزراعة
يرى التقرير أن ندرة المياه تمثل أكبر تحدٍ يواجه الزراعة في شمال أفريقيا، خصوصًا مع تغير أنماط الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر. وتحتل مصر موقعًا خاصًا في هذا المشهد، إذ تعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل الذي يوفر نحو 95% من احتياجاتها المائية. وأشار التقرير إلى أن اكتمال سد النهضة الإثيوبي زاد المخاوف بشأن مستقبل تدفقات المياه، خصوصًا خلال فترات الجفاف الطويلة.
لكن التقرير منح مصر تقييمًا متوسطًا جيدًا في ملف الموارد المائية بدرجة B-، مشيرًا إلى الاستثمارات الحكومية في تحلية المياه، وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، وتطوير أنظمة إدارة المياه.
وأوضح معهد الشرق الأوسط أن مصر تستهدف رفع طاقة تحلية المياه من نحو 1.3 مليون متر مكعب يوميًا إلى 8.85 مليون متر مكعب يوميًا بحلول عام 2050، ضمن استراتيجية طويلة الأجل لمواجهة الفجوة المائية.
مصر بين تحديث الري وحماية الرقعة الزراعية
في ملف كفاءة استخدام المياه، حصلت مصر على تقييم B، حيث أشار التقرير إلى أن كفاءة استخدام المياه الزراعية وصلت إلى مستويات مرتفعة نسبيًا، لكنها لا تزال تحتاج إلى مزيد من التطوير.
وأشار التقرير إلى مشروعات تحديث الري، وتوسيع استخدام تقنيات الري بالتنقيط والرش، وإنشاء وحدات لمراقبة استخدام المياه بهدف تقليل الفاقد وتحسين توزيع الموارد.
أما في مجال استدامة الأراضي الزراعية، فقد حصلت مصر على تقييم C+، بسبب محدودية الأراضي القابلة للزراعة، حيث لا تتجاوز نسبة الأراضي الصالحة للزراعة نحو 3.1% من إجمالي مساحة البلاد.
ولفت التقرير إلى أن التوسع العمراني يمثل ضغطًا متزايدًا على أراضي وادي النيل والدلتا، بينما تحاول الدولة تعويض ذلك عبر مشروعات استصلاح الأراضي مثل "مستقبل مصر"، التي تستهدف إضافة مساحات زراعية جديدة في المناطق الصحراوية.
تفاوت كبير بين دول المنطقة
كشف التقرير عن اختلافات كبيرة بين دول شمال أفريقيا، حيث جاءت المغرب وتونس ومصر ضمن الدول التي تمتلك مؤسسات أكثر قدرة على إدارة الموارد وتنفيذ خطط التحديث الزراعي. وحصل المغرب على أعلى تقييم نسبي بدرجة B، بفضل استراتيجيات متكاملة في إدارة المياه والأراضي وتعزيز الأمن الغذائي، بينما حصلت تونس والجزائر ومصر على تقييم B- مع استمرار تحديات مرتبطة بالمناخ والموارد.
في المقابل، تواجه السودان وليبيا وموريتانيا صعوبات أكبر. فقد حصل السودان على تقييم D+ بسبب تأثير الصراع الداخلي، وتدهور البنية التحتية، وتراجع إدارة الموارد الزراعية. أما ليبيا وموريتانيا فحصلتا على C- نتيجة تحديات سياسية ومناخية وضعف القدرة على الاستثمار المستدام في القطاع الزراعي.
اقتصاد الغذاء.. نجاحات لا تخفي نقاط الضعف
لم يقتصر تقييم المعهد على الموارد الطبيعية، بل درس أيضًا الجانب الاقتصادي للغذاء، بما يشمل الصادرات والواردات ودور الزراعة في الاقتصاد الوطني.
وفي حالة مصر، حصل قطاع الغذاء على تقييم B، بعدما سجلت صادرات الأغذية مستوى قياسيًا بلغ نحو 5.5 مليار دولار عام 2024، بزيادة 17% عن العام السابق. لكن التقرير أشار في الوقت نفسه إلى استمرار اعتماد مصر الكبير على واردات القمح، حيث تعد من أكبر مستوردي القمح في العالم، ما يجعلها معرضة لتقلبات الأسواق العالمية والأزمات الجيوسياسية.
وأوضح التقرير أن تنويع مصادر الغذاء، وزيادة التخزين الاستراتيجي، وتطوير سلاسل الإنتاج المحلية، ستكون عوامل حاسمة لتعزيز الأمن الغذائي.
خمس خطوات لإنقاذ الزراعة قبل فوات الأوان
فيما وضع معهد الشرق الأوسط خمس أولويات رئيسية لتعزيز مستقبل الزراعة في شمال أفريقيا، تبدأ برفع كفاءة استخدام المياه عبر التكنولوجيا الحديثة، وتنويع مصادر المياه من خلال التحلية وإعادة الاستخدام، وحماية الأراضي الزراعية من التدهور والتوسع العمراني.
كما دعا التقرير إلى بناء أنظمة غذائية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات العالمية، وتقوية المؤسسات الحكومية المسؤولة عن إدارة المياه والزراعة. وأكد المعهد أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، إذ يبقى نجاح أي استراتيجية مرتبطًا بوجود مؤسسات قوية قادرة على تنفيذ الإصلاحات وتنسيق السياسات بين قطاعات المياه والزراعة والاقتصاد.
مستقبل الأمن الغذائي يحسم بين الماء والأرض
يخلص التقرير إلى أن شمال أفريقيا تدخل مرحلة جديدة، حيث لم يعد التحدي الأساسي هو زيادة الإنتاج الزراعي فقط، بل ضمان قدرة الأنظمة الزراعية على الصمود أمام تغير المناخ ونقص الموارد. وبينما تمتلك دول مثل مصر والمغرب وتونس أدوات مؤسسية واستثمارات تساعدها على مواجهة الضغوط، فإن استمرار النجاح سيعتمد على سرعة التحول نحو الزراعة الذكية مناخيًا، وتحسين إدارة المياه، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.