< مصر تتحول إلى القاعدة الصناعية الجديدة للصين بين ثلاث قارات
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

مصر تتحول إلى القاعدة الصناعية الجديدة للصين بين ثلاث قارات

أرشيفية
أرشيفية

تعكس مؤشرات تدفق الاستثمارات الصينية إلى مصر تحولًا استراتيجيًا أوسع في خريطة التصنيع العالمية، فمع تصاعد التوترات التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى، وارتفاع تكاليف الإنتاج داخل الصين، وتسارع إعادة تشكيل سلاسل التوريد الدولية، برزت مصر خلال السنوات الأخيرة كواحدة من أكثر الوجهات جذبًا للشركات الصينية الباحثة عن قاعدة إنتاج قادرة على الوصول إلى أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط في الوقت ذاته، وفقًا لصحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست”.

وجاء الإعلان الأخير عن استثمار ضخم لشركة الصين الوطنية للإطارات والمطاط بقيمة تتجاوز نصف مليار دولار في الإسكندرية ليؤكد أن القاهرة لم تعد مجرد سوق استهلاكية كبيرة، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية الصناعية الصينية خارج حدودها. 

ويتضمن المشروع الجديد إنشاء طاقات إنتاجية إضافية تصل إلى نحو مليون ونصف المليون إطار سنويًا، مع توفير آلاف فرص العمل وتعزيز القدرات التصديرية لمصر خلال السنوات المقبلة.

3 استثمارات عملاقة ترسم خريطة جديدة

اللافت أن مشروع الإسكندرية ليس حالة منفردة، ففي أقل من عام واحد فقط، شهدت مصر ثلاثة إعلانات استثمارية صينية ضخمة في قطاع الإطارات وحده، وهو قطاع يُعد من أكثر الصناعات ارتباطًا بالتجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.

ففي عام 2025، أعلنت مجموعة سايلون الصينية عن مشروع ضخم داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بقيمة تقارب مليار دولار، بهدف إنتاج إطارات السيارات للتصدير إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.

وبعدها بأشهر، كشفت مجموعة شاندونغ لينغلونغ عن خطط استثمارية تقترب من ملياري دولار لإنشاء مجمع صناعي متكامل يخدم أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأجزاء من أوروبا، ثم جاء إعلان شركة الصين الوطنية للإطارات والمطاط ليضيف حلقة جديدة إلى سلسلة التوسع المتسارع.

وعند جمع الأرقام، يتضح أن الشركات الصينية ضخت أو التزمت بضخ أكثر من ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار في قطاع واحد داخل مصر خلال فترة زمنية قصيرة للغاية، وهو ما يعكس قناعة متزايدة لدى المستثمرين الصينيين بأن مصر أصبحت موقعًا استراتيجيًا طويل الأجل وليست مجرد فرصة استثمارية مؤقتة، وفقًا لبلومبرج.

لماذا تتجه المصانع الصينية إلى مصر؟

السؤال الذي يشغل العديد من المراقبين هو: لماذا اختارت الشركات الصينية مصر تحديدًا في هذه المرحلة؟ الإجابة تبدأ بالجغرافيا، فمصر تمتلك أحد أكثر المواقع الاستراتيجية أهمية في العالم بفضل إشرافها على قناة السويس، التي تُعد من أهم شرايين التجارة البحرية الدولية.

ويمنح هذا الموقع الشركات المصنعة القدرة على الوصول السريع إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية والشرق الأوسط دون الحاجة إلى تحمل تكاليف النقل الطويلة المرتبطة بالإنتاج من شرق آسيا.

وتزداد أهمية هذا العامل في الصناعات الثقيلة مثل الإطارات، حيث تمثل تكاليف الشحن جزءًا مؤثرًا من التكلفة النهائية للمنتج، وبالتالي، فإن الاقتراب من الأسواق المستهدفة يمنح المنتجين ميزة تنافسية يصعب تجاهلها في بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين الجيوسياسي.

بوابة تجارية إلى سوق يتجاوز ملياري مستهلك

إلى جانب الموقع الجغرافي، تتمتع مصر بشبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تمنح المنتجات المصنعة داخلها فرص دخول تفضيلية إلى عشرات الأسواق حول العالم.

فالمصانع المقامة في مصر تستطيع الاستفادة من الاتفاقيات المبرمة مع الاتحاد الأوروبي، واتفاقية الكوميسا الأفريقية، واتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، إضافة إلى العديد من الاتفاقيات العربية والإقليمية الأخرى، وهذا يعني أن الشركات الصينية لا تنظر إلى السوق المصرية وحدها، بل ترى من خلالها بوابة إلى أسواق تضم أكثر من ملياري مستهلك.

وفي ظل تصاعد الرسوم الجمركية والقيود التجارية التي تواجه بعض الصادرات الصينية في عدد من الدول الغربية، أصبحت إقامة مصانع داخل دول ترتبط باتفاقيات تجارية واسعة النطاق خيارًا جذابًا لتقليل المخاطر والحفاظ على القدرة التنافسية في الأسواق الدولية.

الاقتصاد المصري يدخل عصر التصنيع التصديري

ما يميز الموجة الحالية من الاستثمارات الصينية أنها تعتمد بصورة أساسية على إنشاء مصانع جديدة من الصفر، وليس مجرد الاستحواذ على أصول قائمة، وهذا النموذج يخلق أثرًا اقتصاديًا أعمق، لأنه يؤدي إلى بناء سلاسل توريد محلية، ونقل خبرات صناعية، وتدريب العمالة، وتوسيع قاعدة الموردين المحليين.

وأصبحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجًا واضحًا لهذا التوجه، حيث نجحت في جذب مليارات الدولارات من الاستثمارات الصناعية خلال الأعوام الأخيرة، خاصة في قطاعات المنسوجات والكيماويات والأجهزة الكهربائية والصناعات المعدنية واللوجستيات.

ويرى خبراء التنمية الصناعية أن القيمة الحقيقية لهذه المشروعات لا تكمن فقط في حجم الأموال المستثمرة، بل في قدرتها على تحويل مصر تدريجيًا من سوق استهلاكية كبيرة إلى مركز إنتاج وتصدير إقليمي قادر على المنافسة في سلاسل القيمة العالمية.