< «اللي يستخدم الذكاء الاصطناعي هيتعرف».. أداة جديدة تكشف "الغش" في الصحافة والجامعات والكنيسة في أمريكا
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

«اللي يستخدم الذكاء الاصطناعي هيتعرف».. أداة جديدة تكشف "الغش" في الصحافة والجامعات والكنيسة في أمريكا

الرئيس نيوز

ظهر اسم بانجرام (Pangram) كأحد أكثر الأدوات إثارة للجدل في عالم الذكاء الاصطناعي، بعدما تحولت من مجرد تقنية لكشف النصوص المولدة آليا إلى ما يشبه سلطة تقييم رقمية تعيد تعريف مفهوم “من كتب النص فعلا”. الأداة التي طورها خريجا ستانفورد ماكس سبيرو وبرادلي إيمي تعتمد على نظام تصنيف ثلاثي للنصوص، يحدد ما إذا كان المحتوى مكتوبا بالكامل بالذكاء الاصطناعي، أو بمساعدته، أو بواسطة إنسان. وقد عززت دراسات أكاديمية، من بينها أبحاث كلية بوث في جامعة شيكاغو، إلى جانب اختبارات أجرتها جامعات مثل بيركلي وماريلاند وبنسلفانيا، مكانة بانجرام كأحد أكثر الأنظمة دقة في هذا المجال، مع معدلات منخفضة للغاية من الأخطاء مقارنة بالأدوات المنافسة، وفقا لمجلة ذي أتلانتيك.

خطورة تحويل “الكتابة” نفسها إلى مادة خاضعة للاشتباه الخوارزمي

لكن هذا التفوق التقني لم يأت بلا تكلفة، إذ فتح الباب أمام نقاش واسع حول خطورة تحويل “الكتابة” نفسها إلى مادة خاضعة للاشتباه الخوارزمي. فكلما ارتفعت دقة الأداة في التمييز بين الإنسان والآلة، ازداد الجدل حول ما إذا كانت تخلق معيارا جديدا للحقيقة أم تفرض نوعا من الرقابة غير المباشرة على النصوص.

في الخلفية، كانت صناعة أدوات كشف الذكاء الاصطناعي قد مرت بمرحلة من الارتباك قبل سنوات قليلة فقط. ففي عام 2023، أحرج نظام ZeroGPT المجتمع الأكاديمي والإعلامي بعدما صنف نصوصا بشرية تاريخية، من بينها أجزاء من الدستور الأمريكي، على أنها مولدة بالآلة. وفي الفترة نفسها تقريبا، تراجعت OpenAI عن أداة كشف داخلية بسبب ضعف الدقة وعدم إمكانية الاعتماد عليها. هذا الفشل الجماعي أكد آنذاك أن الحدود بين النص البشري والآلي لا تزال غير قابلة للضبط بدقة.
 

صدمة صحفية

في الصحافة الأمريكية، بدأت بانجرام تستخدم على نطاق واسع بعد دراسة أجرتها جامعة ماريلاند شملت نحو 186 ألف مقال من 1500 صحيفة خلال صيف 2025. الدراسة كشفت أن أكثر من 9% من المحتوى الصحفي يحتوي على نصوص مولدة كليا أو جزئيا بالذكاء الاصطناعي، مع تركيز أكبر في مقالات الرأي مقارنة بالأخبار المباشرة. والأكثر إثارة أن بعض أبرز الصحف الأمريكية الكبرى مثل نيويورك تايمز وول ستريت جورنال وواشنطن بوست أظهرت آثارا متفاوتة لهذا النوع من المحتوى، ما فتح نقاشا داخليا حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في التحرير.
 

تحولت القضية إلى جدل علني حين أثار مقال في قسم Modern Love بنيويورك تايمز موجة شكوك واسعة حول أسلوبه، قبل أن تتسع التحقيقات لتكشف استخدام أدوات ذكاء اصطناعي في بعض عمليات التحرير داخل مؤسسات إعلامية كبرى. ومع تصاعد الضغط، بدأت غرف الأخبار في إعادة صياغة سياساتها التحريرية، في محاولة لضبط حدود “الأصالة” داخل بيئة إعلامية تتغير بسرعة. 

وصدمة أكاديمية أكثر حساسية 

في الجامعات الأمريكية، أخذت الأزمة بعدا أكثر حساسية، إذ وجدت المؤسسات التعليمية نفسها بين خيارين صعبين: استخدام أدوات مثل بانجرام لمكافحة الغش، أو تجنبها خوفا من أخطاء قد تضر بطلاب أبرياء. وقد دفعت هذه المعضلة عددا من الجامعات الكبرى إلى تقليص استخدام أدوات الكشف أو تعليقها بالكامل في تقييم الأعمال الأكاديمية. وفي المقابل، تشير تقييمات مستقلة إلى أن الأداة تحقق مستويات عالية جدا من الدقة في النصوص الطويلة، ما يعمق التوتر بين الكفاءة التقنية والعدالة الأكاديمية.

تحذير ديني من الذكاء الاصطناعي بوثيقة مولدة بالذكاء الاصطناعي! 

أما المفاجأة الأكثر إثارة فجاءت من خارج المجالين الإعلامي والأكاديمي، حين دخلت المؤسسة الدينية على خط الأزمة. ففي مايو 2026 أصدر البابا ليو الرابع عشر وثيقة “Magnifica Humanitas” التي حذرت من مخاطر الذكاء الاصطناعي على الكرامة الإنسانية والحقيقة الأخلاقية. لكن تحليلات لغوية مستقلة باستخدام بانجرام أشارت إلى أن ما يقارب 46% من الوثيقة يحمل بصمات نصوص مولدة بالذكاء الاصطناعي، مع مؤشرات لغوية تتوافق مع أنماط نماذج توليد متقدمة مثل Claude، إضافة إلى سمات أسلوبية غير معتادة في الوثائق البابوية التقليدية.

ورغم عدم صدور تعليق رسمي من الفاتيكان، فإن المفارقة بدت شديدة الرمزية: وثيقة تحذر من الذكاء الاصطناعي يُشتبه في أنه ساهم في صياغتها.

في موازاة ذلك، امتد تأثير بانجرام إلى عالم النشر الأدبي، حيث أوقفت دار Hachette نشر رواية “Shy Girl” بعد شبهات قوية باستخدام الذكاء الاصطناعي داخل النص. ومع تزايد هذه الحالات، بدأ قطاع النشر يعيش موجة إعادة تقييم شاملة لمفهوم التأليف في العصر الرقمي.
المصدر: ذي أتلانتيك

لكن الجدل لم يتوقف عند حدود المستخدمين، بل وصل إلى الأداة نفسها. فقد أظهرت دراسة لمؤسسة Mozilla أن بانجرام، رغم دقته العالية، قد ينتج معدل خطأ يبلغ 0.7%، ما يعني أن كاتبا بريئا من بين كل 140 قد يتعرض لاتهام خاطئ بأنه ألف كتابه بالذكاء الاصطناعي ومع تصاعد تقنيات إخفاء بصمة الذكاء الاصطناعي، دخل العالم في سباق تقني مفتوح بين أدوات الكشف ووسائل التمويه، لا يبدو أن له نهاية قريبة.