< هجوم عنيف على توني بلير.. بريطانيا تحتضر وخطته عملية تجميل لجثة الاقتصاد
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

هجوم عنيف على توني بلير.. بريطانيا تحتضر وخطته عملية تجميل لجثة الاقتصاد

الرئيس نيوز

عاد رئيس الوزراء الأسبق توني بلير إلى واجهة النقاشات البريطانية العامة بمقال مطول طرح فيه رؤيته لمستقبل الاقتصاد البريطاني، غير أن الاستقبال النقدي جاء قاسيًا وبلا مجاملات. فقد وصف محللو صحيفة نيو ستيتسمان المقال بأنه يرتدي عباءة الجرأة والجذرية دون أن يحمل من ذلك شيئًا، في هجوم مباشر يكشف عمق الخلاف حول مستقبل الاقتصاد البريطاني ومن يملك الحلول الحقيقية له.

وخلص المنتقدون إلى أن بلير وفي للغاية لتقليد "العمل الجديد" الذي أسسه، إذ يدعو إلى تحويل الاقتصاد دون المساس بأي من ركائزه الجوهرية. فبريطانيا في ظل برنامجه ستظل كما هي: متمركزة جغرافيًا حول لندن وجنوب إنجلترا، مرهونةً بصادرات الخدمات رفيعة القيمة والتمويل العالمي لتمويل مستوى معيشة لم تعد البلاد تستطيع تحمّله منذ أكثر من خمسين عامًا. وباختصار، وفق هذه القراءة النقدية، فإن الخطة الاقتصادية التي يقترحها بلير ليست إصلاحًا بل مساحيق وجه لمريض ميؤوس من علاجه. 

استراتيجية مظهرية في زمن الأزمات

يرى المنتقدون أن اللجوء إلى مثل هذه الاستراتيجية المظهرية كان مقبولًا ربما في مطلع الألفية الثالثة، حين كانت بريطانيا تركب موجة توسع استثنائي في صادرات الخدمات المالية وتستنزف آخر قطرات طفرة الائتمان الاستهلاكي. أما اليوم، وقد باتت البلاد تواجه تحديات مالية وسياسية بالغة الخطورة في بيئة دولية شديدة التقلب، فإن الاكتفاء بهذا النهج التجميلي يُعدّ في نظر هؤلاء أقرب إلى الإهمال منه إلى السياسة.

جذور المأزق البريطاني

ثمة إجماع متنامٍ بين المحللين الاقتصاديين على أن المشكلات البنيوية للاقتصاد البريطاني أعمق بكثير مما تعترف به الأجندة السياسية السائدة. فالفجوة بين لندن وبقية المناطق البريطانية لم تتوقف عن الاتساع، والإنتاجية تراجعت بشكل مزمن منذ الأزمة المالية العالمية 2008، فيما تعاني البنية التحتية من عقود من نقص الاستثمار. وتطرح هذه الأزمة البنيوية تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت بريطانيا تحتاج إلى إصلاحات تدريجية أم إلى إعادة هيكلة شاملة لنموذجها الاقتصادي.

بلير والإرث الملتبس

يعود توني بلير إلى المشهد وهو يحمل إرثًا متناقضًا؛ فمن جهة يُحسب له أنه قاد حزب العمال إلى ثلاث انتصارات متتالية وأشرف على سنوات من النمو الاقتصادي المتواصل، ومن جهة أخرى لا يزال قرار غزو العراق وتداعياته يلقيان بظلالهما على صورته لدى قطاعات واسعة من الرأي العام البريطاني. وحين يعود اليوم بأطروحة اقتصادية، يجد نفسه في مواجهة شكوك مزدوجة: تشكيك في مصداقيته السياسية، وتشكيك في عمق تشخيصه للأزمة.

معركة الأفكار حول مستقبل بريطانيا

تعكس ردود الأفعال على مقترحات بلير حجم القلق المتراكم حيال مسار الاقتصاد البريطاني، وتُظهر أن النقاش حول مستقبل البلاد لم يعد محصورًا في الأروقة الأكاديمية، بل أصبح في صميم الجدل السياسي اليومي. وسواء اتفق المرء مع بلير أم خالفه، فإن إثارة هذا النقاش تبقى خطوة في اتجاه الاعتراف بأن بريطانيا تقف أمام منعطف حقيقي، وأن الإجابات التقليدية لم تعد كافية لمواجهة أسئلة استثنائية.