< ماذا تريد دول الخليج من الاتفاق الأمريكي الإيراني؟.. هرمز يكشف الأزمة
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

ماذا تريد دول الخليج من الاتفاق الأمريكي الإيراني؟.. هرمز يكشف الأزمة

أرشيفية
أرشيفية

في كل مرة اقتربت فيها واشنطن وطهران من تفاهم سياسي أو أمني، وجدت دول الخليج نفسها أمام معادلة مألوفة ومتكررة إذ يتم التفاوض فوق الطاولة بين القوى الكبرى، بينما تدفع التكلفة الحقيقية على الأرض الخليجية. واليوم، مع تصاعد الحديث عن اتفاق محتمل يعيد فتح مضيق هرمز ويخفف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تعود المخاوف الخليجية القديمة بصورة أكثر تعقيدا وخطورة.

ورجح المجلس الأطلسي أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بالملاحة أو صادرات النفط، بل بالسؤال الأعمق: هل يمكن بناء استقرار دائم في الخليج من دون مشاركة فعلية للدول التي يقع أمنها واقتصادها مباشرة في قلب المواجهة؟

عودة شبح التصعيد

في الثاني عشر من أبريل، انهارت محادثات إسلام آباد بين واشنطن وطهران بعد واحد وعشرين ساعة من التفاوض المتواصل، ليخرج نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس معلنا فشل التوصل إلى اتفاق، مؤكدا أن إيران رفضت الشروط الأمريكية وأن الحصار البحري سيمضي قدما.

لكن ما غاب عن التصريحات الرسمية الأمريكية آنذاك لم يكن تفصيلا صغيرا، بل حقيقة أن دول الخليج كانت خلال الأسابيع السابقة تتعرض لضغط أمني غير مسبوق، بعدما طالت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية مطارات ومنشآت طاقة وأحياء مدنية في المنطقة.

ورغم أن الخليج كان الساحة المباشرة للتصعيد، فإن دول مجلس التعاون الخليجي لم تكن طرفا في المحادثات، ولم تشارك بصورة رسمية في صياغة التفاهمات أو النقاشات المتعلقة بمستقبل أمن المنطقة.

وترى عواصم خليجية أن هذا التهميش يعيد إنتاج الخطأ الاستراتيجي ذاته الذي رافق الاتفاقات السابقة مع إيران، حين كانت القرارات الكبرى تتخذ بين واشنطن وطهران، بينما تتحمل الدول الخليجية التداعيات الأمنية والاقتصادية.

مضيق هرمز.. شريان الطاقة العالمي

وتكمن حساسية الملف في أن مضيق هرمز لا يمثل ممرا بحريا عاديا، بل واحدا من أهم شرايين الاقتصاد العالمي. فالمضيق يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى ما يقارب خمس صادرات الغاز الطبيعي المسال في العالم.

وقبل اندلاع الأزمة الأخيرة، كان المضيق يستقبل ما يقارب ثلاثة آلاف سفينة شهريا، لكن التوترات العسكرية أدت إلى انهيار حركة الملاحة إلى مستويات متدنية للغاية، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة بأسواق الطاقة العالمية ورفع المخاوف من أزمة إمدادات قد تكون الأسوأ منذ عقود.

ورغم هذه الأهمية الحيوية، تبدو المفاوضات الحالية وكأنها تعالج هرمز باعتباره ملفا أمريكيا إيرانيا ثنائيا، في وقت ترى فيه دول الخليج أن أمن المضيق قضية سيادية وإقليمية تخصها بالدرجة الأولى.

مطالب إيران تثير القلق الخليجي

بحسب تقارير دبلوماسية غربية، تطالب إيران خلال المفاوضات الحالية بانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، والحصول على تعويضات، إضافة إلى ترتيبات مرتبطة بإدارة أمن مضيق هرمز.

ورغم أن واشنطن لا تبدو مستعدة لقبول هذه المطالب بصورة كاملة، فإن مجرد مناقشتها يثير قلقا خليجيا واسعا، خاصة مع غياب أي إطار إقليمي واضح يضمن عدم تكرار سيناريو الهجمات على البنية التحتية الخليجية.

وتخشى دول الخليج أن يؤدي أي اتفاق سريع إلى رفع الضغوط العسكرية وعودة الملاحة من دون بناء ضمانات أمنية حقيقية أو آليات ردع واضحة تمنع تكرار التصعيد مستقبلا.

اتفاق 2015 لا يزال حاضرا في الذاكرة الخليجية

القلق الخليجي الحالي لا ينفصل عن تجربة الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، حين شعرت العواصم الخليجية بأنها مستبعدة من ترتيبات تمس أمنها بصورة مباشرة.

فالاتفاق آنذاك لم يمنح دول الخليج أي دور قانوني أو سياسي داخل منظومته، ما جعلها تعتمد بالكامل على واشنطن في احتواء التوترات اللاحقة، بينما استمرت المخاوف من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة.

وترى دوائر خليجية أن أي اتفاق جديد يعيد تكرار الصيغة القديمة سيبقى هشا وقابلا للانهيار، لأن الدول الأكثر تأثرا به ستكون خارج دائرة التأثير الحقيقي في تنفيذه ومراقبته.

ماذا تريد دول الخليج فعليا؟

المطلب الخليجي الأساسي لا يتمثل فقط في دعم أي اتفاق أمريكي إيراني، بل في المشاركة الفعلية في صياغته وتنفيذه. فدول الخليج تريد أن تكون جزءا من أي ترتيبات تخص أمن الملاحة والطاقة والتوازن العسكري في المنطقة، باعتبار أن اقتصاداتها وبنيتها الأمنية تعتمد بصورة مباشرة على استقرار مضيق هرمز.

كما ترى هذه الدول أن إشراكها داخل أي إطار تفاوضي يمنح الاتفاق ثقلا إقليميا أكبر، ويجعل انسحاب إيران مستقبلا أكثر كلفة سياسيا واستراتيجيا، لأنه لن يكون انسحابا من تفاهم مع واشنطن فقط، بل مع جيرانها المباشرين أيضا.

وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن التفاهمات المطروحة حاليا تبدو "متينة إلى حد بعيد" فيما يتعلق بقدرة إيران على إعادة فتح مضيق هرمز والانخراط في مفاوضات نووية محددة زمنيا، مشيرا إلى أن الاتفاق يحظى بدعم واسع من دول الخليج والمجتمع الدولي.