< "الإندبندنت" تكشف ملامح النظام العالمي بعد زلزال الشرق الأوسط
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

"الإندبندنت" تكشف ملامح النظام العالمي بعد زلزال الشرق الأوسط

الرئيس نيوز

أكدت صحيفة الإندبندنت البريطانية أن العولمة تدخل مرحلة إعادة التشكيل تحت ضغط الطاقة والجغرافيا السياسية، في خضم التصعيد العسكري في المنطقة بعد حرب إيران، إذ يبرز سؤال اقتصادي كبير يفرض نفسه على صناع القرار والأسواق العالمية: هل يقف العالم على أعتاب نظام اقتصادي جديد؟ تميل الإندبندنت إلى الإجابة بنعم، ولكن المؤشرات المتراكمة لا تشير إلى انهيار مفاجئ للنظام القائم، بل إلى تحول تدريجي عميق يعيد صياغة قواعد الاقتصاد العالمي من جذورها، ويضع نهاية لمرحلة “العولمة المفتوحة” كما عرفها العالم لعقود.

ولفتت الصحيفة إلى أن الحرب لم تكشف فقط عن صراع عسكري، بل فضحت هشاشة البنية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها سلاسل الإمداد الدولية. فقد أصبح واضحًا أن الكفاءة الاقتصادية وحدها لم تعد كافية لتوجيه قرارات التجارة والاستثمار، بل حلّت محلها اعتبارات أكثر حساسية تتعلق بالأمن والاستقرار وضمان تدفق الطاقة والسلع عبر الممرات الحيوية.

من العولمة المفتوحة إلى العولمة الانتقائية

أحد أبرز التحولات التي فرضها الواقع الجديد هو الانتقال من نموذج العولمة التقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ”العولمة الانتقائية”. ففي هذا النموذج الجديد، لم يعد العالم مترابطًا بشكل غير مشروط، بل أصبح يعيد تشكيل شبكاته الاقتصادية وفق اعتبارات سياسية وأمنية واضحة.

وأشارت إلى أن سلاسل الإمداد التي كانت تدار سابقا بمنطق الكفاءة والتكلفة الأقل، باتت اليوم خاضعة لإعادة هندستها لتقليل المخاطر، مع اتجاه متزايد لإعادة توطين الصناعات داخل دول أكثر استقرارًا، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة مثل مضيق هرمز وباب المندب. ونتيجة لذلك، تتشكل تكتلات اقتصادية أكثر انغلاقًا، تعيد تعريف مفهوم الانفتاح الاقتصادي نفسه.

الطاقة تعود كسلاح استراتيجي

في قلب هذا التحول، تعود الطاقة لتتصدر المشهد العالمي كأداة نفوذ جيوسياسي وليست مجرد سلعة اقتصادية. فأسواق النفط والغاز أصبحت أكثر ارتباطًا بالأحداث السياسية والعسكرية، وأي اضطراب في الإمدادات ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي.

ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين تدفقات مستقرة للطاقة، خصوصًا دول الخليج التي باتت تلعب دورًا محوريًا في تحقيق التوازن داخل سوق عالمي شديد التقلب. وفي هذا السياق، لم تعد الطاقة مجرد مورد اقتصادي، بل تحولت إلى ورقة ضغط استراتيجية في صراعات النفوذ الدولي.

اقتصاد الجغرافيا السياسية: الاستثمار تحت ظل المخاطر

التحول الثالث يتمثل في صعود ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الجغرافيا السياسية”، حيث لم يعد الاستثمار قرارًا ماليًا صرفًا، بل أصبح قرارًا استراتيجيًا يخضع لحسابات التحالفات والمخاطر السياسية.

وتسارع الشركات والدول خطواتها من أجل دمج المخاطر الجيوسياسية ضمن قراراتها الاقتصادية، بدءًا من اختيار مواقع الإنتاج مرورًا بسلاسل الشحن والتأمين، وصولًا إلى إعادة تقييم الأسواق المستهدفة. وبهذا، لم تعد الكفاءة الاقتصادية العامل الوحيد الحاسم، بل أصبحت الجغرافيا السياسية عنصرًا مركزيًا في تشكيل حركة رؤوس الأموال والتجارة العالمية.

النظام المالي العالمي أمام اختبار جديد

في موازاة ذلك، يواجه النظام المالي العالمي تساؤلات متزايدة حول مستقبله، خاصة فيما يتعلق باستمرار الاعتماد شبه الكامل على الدولار الأمريكي كعملة مركزية للتجارة الدولية. فالتوترات الجيوسياسية الحالية تفتح الباب أمام احتمالات بروز أنظمة دفع بديلة أو تكتلات نقدية إقليمية، تعيد توزيع مراكز القوة المالية عالميًا.

هذا التحول المحتمل لا يعني انهيار النظام القائم، لكنه يشير إلى بداية مرحلة إعادة توازن تدريجية، قد تُضعف مركزية النظام المالي التقليدي وتزيد من تعدديته على المدى الطويل.

وأضافت الإندبندنت: "لا يبدو أن العالم يتجه نحو انهيار النظام الاقتصادي الحالي بقدر ما يتجه نحو إعادة تشكيله. إنها مرحلة انتقالية طويلة ومعقدة، تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد، والأمن مع التجارة، والطاقة مع التمويل".

وختمت بالقول: "إن العولمة لا تنتهي، لكنها تتحول إلى شكل أكثر انتقائية وأقل انفتاحًا، حيث تصبح الجغرافيا السياسية هي العامل الحاسم في رسم خريطة الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق الجديد، لم تعد القواعد القديمة كافية لفهم حركة العالم، بل يجري حاليًا كتابة قواعد جديدة بهدوء، لكن بعمق قد يعيد تعريف النظام الاقتصادي العالمي لعقود قادمة".