الإثنين 25 يناير 2021 الموافق 12 جمادى الثانية 1442
رئيس التحرير
شيماء جلال
Advertisements

«دعاة عصر السادات».. كيف أطلق الرئيس المؤمن «وحش الإسلاميين» فى الجامعات؟ (2)

الخميس 24/ديسمبر/2020 - 04:16 م
الرئيس نيوز
طباعة


- نكسة يونيو كانت البداية الحقيقة لانتشار وجوه الجماعات الإسلامية 


- مؤسس الجماعة الإسلامية في الجامعات اعترف بأنه أخذ أوامر من السادات

- تم منح أعضاء الجماعات الإسلامية بـ"طب القاهرة" تمويلًا ضخمًا.. وأجهزة الأمن كانت تخشى إغضابهم 



في الحلقة الأولى من حوارانا مع الكاتب الصحفي وائل لطفى، صاحب كتاب "دعاة عصر السادات"، والذى أبحر فيه إلى سبعينات القرن الماضي؛ ليرصد اللحظات الأولى التي قرر فيها الرئيس السادات منح الجماعات الإسلامية "قبلة الحياة" مرة أخرى فى مصر؛ استعرض الكاتب الدوافع الشخصية والأسباب السياسية والأوضاع الدولية، التي دفعت بالرئيس الراحل لإطلاق يد قاتليه في بطن المجتمع المصري، عاقدا ما أطلق عليه "صفقة".

وفى هذه الحلقة من الحوار، تناول لطفى رصد المراحل الأولى لوحش التطرف الإسلامي، الذي نشر بذوره الأولى داخل الجامعات، وبالتحديد جامعة القاهرة، التي مثلت الحاضنة الأولى للتيار الإسلامي.

صفقة الإخوان والسادات.. استخدام النظام للإخوان.. تأسيس الجماعة الإسلامية في الجامعات بعلم السادات.. جمل ترددت في صفحات الكتاب بما يشير إلى أن ذلك التيار الإسلامي المتطرف كان صناعة حكومية، أو تم تدشينه  بأوامر رئاسية..    
  
وعن ذلك يقول لطفي: في الحقيقة نكون مخطئين بكل تأكيد لو قلنا إن الحالة (الإسلامية) التي سادت المجتمع المصري منذ بداية السبعينيات، هي صناعة حكومية مائة في المائة، لكننا نكون أكثر خطأً لو قلنا إنها الحركة -التي شهدها المجتمع واتخذت من الجامعات المصرية نقطة إنطلاق- كانت حالة عفوية بشكل كامل.. والأقرب للدقة أننا إزاء حركة فرضها ظرف تاريخي – نكسة يونيو –وأن هذه الحركة تم تضخيمها وتدعيمها وإفساح المجال لها، حتى ابتلعت المجال العام في مصر.

 

تقول أن نكسة يونيو كانت بمثابة نقطة الانطلاق لتلك الحالة الإسلامية.. كيف؟ 

بالطبع.. كان من آثار هزيمة يونيو؛ انتشار الدروس الدينية وانتعاش حلقات التعليم الديني في المساجد، زكان الدعاة الدينيون ذوو الماضي التنظيمي في الإخوان والذين أصبحوا من قيادات وزارة الأوقاف المصرية، هم أبطال المرحلة، حيث بزغ عدد من العلماء الذين نشطوا في هذه الفترة منهم الغزالي، والشيخ سيد سابق.

يمكننا وصف ذلك بأنه الجزء العفوي في تشكيل التيار في مصر.. ماذا عن الدعم والتضخيم الذي تلقته؟

 يمكننا أن نلاحظ ذلك في العام ١٩٧١، والسادات يخوض صراعه مع مركز القوى في منتصف العام تقريبا، إذ انتهي الصراع، وكثيرون من حملة (أيديولوجيا الدولة) في السجون، كانوا جنبا إلى جنب مع قيادات الإخوان المسلمين الذين أفرج عن بعضهم وبقي آخرون في الانتظار، وبالتالي كانت الساحة خالية تقريبا، كان هناك الطلاب اليساريون والناصريون في الجامعات، وكانت الجماعة الإسلامية تظهر وتكبر بسرعة تبدو غير منطقية.
 استغرق الأمر خمس سنوات أو أقل حتى كتبت جريدة (المونيتور) عن عودة الإخوان في مصر، وكان لعملية عودة الإخوان أبطال بلا شك، منهم عبد المنعم أبو الفتوح، ومعه زملاء آخرون أصبح بعضهم من قيادات الإخوان في مصر، وأصبح آخرون من نجوم الدعوة السلفية، وحمل آخرون السلاح في الصعيد، لكن نقطة البداية كانت من جامعة القاهرة.

ويروي عبد المنعم أبو الفتوح في شهادته أن الساحة كانت خالية تماما، لم تكن هناك في الستينيات أي إشارة لنشاط للإسلام السياسي من أي نوع، لكن مساجد الجمعيتين السلفيتين (أنصار السنة، والجمعية الشرعية) كانتا مفتوحة للمؤمنين بالمشروع الإسلامي، وحتى عندما حلت أجهزة الدولة جمعية أنصار السنة، فقد سلمت أموالها ومساجدها للجمعية الشرعية كي تديرها.

لكن حتى هذه المرحلة التي  ذكرتها لم يكن هناك ما يمكن أن نطلق عليه دعمًا من الدولة 

من خلال رحلة البحث تأكد لي أن السادات استعان بمحمد عثمان إسماعيل وهو أحد القيادات المحلية للاتحاد الاشتراكي في أسيوط، إذ يقول اللواء فؤاد علام  في كتابه "الإخوان وأنا" أن محمد عثمان إسماعيل كان من الإخوان، وله صلات وطيدة بقياداتها مثل عبد العظيم لقمة، وعمر التلمساني، ومصطفى مشهور، وكان عضوا نشطا في شعبة الإخوان في أسيوط.

وقد أكد عثمان في رد إلى مجلة روز اليوسف التي نشرت مذكرات علام  قال إنه (أسس الجماعات الإسلامية في الجامعات بأمر من الرئيس السادات)، ولم يشرح أكثر من هذا.




رصدت في الكتاب عدد من الروايات المختلفة عن علاقة السادات بالإخوان 

السادات وصل إلى قمة ضيقه من سيطرة اليساريين على الحركة الطلابية في جامعة القاهرة، ومن بين تلك الروايات أنه استدعي المرشد العام للجماعة حسن الهضيبي، من محبسه، واتفقا على إطلاق يد الإسلاميين شريطة عدم التعرض لشخص السادات أو انتقاده.

لكن بغض النظر عن تعدد الروايات من المؤكد أنه تم تأسيس جماعة بأوامر من السادات إذ كانت تبعيتها له مباشرة، وهي جماعة (شباب الإسلام)، في حين لعب دورا غير مباشر في انتشار الثانية، ودعمها من خلال الميزانيات السخية لاتحادات الطلاب التي كانت تسيطر عليها، وهي (الجماعة الإسلامية) التي أسسها طالب في كلية الطب، هو عبد المنعم أبو الفتوح، وضمت طلابا صاروا فيما بعد من قيادات جماعة الإخوان في مصر، مثل عصام العريان وحلمي الجزار، فضلا عن أبو الفتوح نفسه، ولعل ما يلفت النظر أن قيادات الجماعتين تبادلتا الاتهامات بالتبعية للنظام ولأجهزته المختلفة، وأوجه دعمها المتعددة.

بحسب ما يرويه وائل عثمان، فقد جاء تأسيس الجماعة بشكل غامض تماما بعد اتصال بين أحد الطلاب الذين سافروا للدراسة في ألمانيا، وبين الطالب عصام الغزالي الذي كان طالبا في هندسة القاهرة، أما عثمان نفسه، فقد أصبح واحدا من ألمع قادتها، على حد وصف عبد المنعم أبو الفتوح، منافسه في ذلك الوقت، ومؤسس الجماعة الإسلامية الثانية في جامعة القاهرة.

ويروي عثمان أن الفترة التي أعقبت تأسيس الجماعة شهدت لقاءات مكثفة بين قادتها وبين مسئولي الاتحاد الاشتراكي وجهاز أمن الدولة.

لم يحتج الطلاب الإسلاميون للكثير من الوقت كي يحققوا وجودًا رسميا عبر السيطرة على اتحادات الطلاب الرسمية، وفي عام ١٩٧٣ قرروا الترشح في انتخابات اتحاد الطلاب في كلية الطب، وفازوا بخمس لجان من أصل 6 لجان للاتحاد، وأصبح رئيس الاتحاد إسلاميا للمرة الأولى، وتحولت كلية طب قصر العيني إلى مركز لقيادة الطلاب الإسلاميين، في جامعات مصر كما يروي أبو الفتوح.

وماذا عن  تبادل الاتهامات بين عثمان وأبو الفتوح بأن كلا منهما صنيعة أجهزة عصر السادات؟ 

رغم تلك الاتهامات فإن المؤكد أنه كان هناك جماعتين كلاهما استخدم وكلاهما حظى بدعم كامل من السادات، جماعة شباب الإسلام، والجماعة الإسلامية التي أسسها عبد المنعم ابو الفتوح، واعترف بنفسه أن الجسور كانت مفتوحة بينهم وبين النظام في أعلى مستوياته، وأن أجهزة الأمن كانت تخشي من إغضابهم، وأنه كان يستطيع اصطحاب ألفي طالب كي يقيموا مخيما إسلاميا في الصحراء دون إخطار مسئول واحد أو الحصول على موافقة أي جهة.

في هذه المخيمات تولي رجال مثل يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي وأحمد كمال أبو المجد تشكيل عقول الطلاب وصوغهم ليكونوا طلابا (إسلاميين).

كيف حققت الجماعات الإسلامية تلك الانطلاقة القوية من الجامعات؟

هناك واقعة يحكيها عبدالمنعم أبو الفتوح في مذكراته عن إلقاء القبض على طالب بمنشورات، فقام الطلبة من أعضاء الجماعة بمحاصرة القسم، وتدخل نائب رئيس الجامعة للإفراج عنه، لكنهم يصروا على خروجه وبحوزته ما تم ضبطه من منشورات لإكمال توزيعها، وهى واقعة توضح مدى سيطرة هذه الجماعة وقتها، وتكشف أن تلك الانطلاقة التي بدأت بين أسوار الجامعة استعدادًا للخروج إلى المجتمع بالكامل فيما بعد. 

فقد تم منحهم ميزانيات ضخمة كانت تسمح لهم بتنظيم رحلات الحج بمبالغ رمزية لا تتعدى الـ 25 جنيه، وسمح لهم بطباعة سلسة كتب " صوت الحق" وتوزيع الحجاب مجانا على الطالبات، إذ تحدث عبد المنعم أبو الفتوح في شهادته عن الكتب الإسلامية التي كانت تأتي من المملكة العربية السعودية بآلاف النسخ على شكل هدايا مجانية، وكان اتحاد الطلاب بدوره يهديها للطلاب.

في تلك الفترة.. ما هي أبرز الأسماء التي يمكن اعتبارها النواة الحقيقية للجماعات الإسلامية؟

انضم إلى الجماعة في تلك الفترة آلاف الطلاب الذين تحولوا فيما بعد إلى قيادات الجماعة، منهم عصام العريان وحلمي الجزار وأبو العلا ماضي، وفريق ثاني سلفيين في الإسكندرية تم استقطابهم في رحلات الحج والعمرة وأحدثوا تغيرات حادة جدا في المجتمع المصري من خلال  الدعوة السلفية من قبل المؤسسة الوهابية.
ووقتها انتشرت الجماعة الإسلامية في الكليات المختلفة بعد أن بدأت بكلية الطب، أما اسمها فقد أطلقه عليها أعضاؤها إعجابا بأبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان.. وأصبح للجماعة أمير يسيطر على رؤساء الاتحادات المختلفة، وكان عبد المنعم أبو الفتوح هو رئيس الاتحاد، وتولى عصام العريان إمارة الجماعة في جامعة القاهرة.

كان هذا قبل أن تنطلق الجماعة الإسلامية خارج أسوار الجامعات المختلفة، وتبدأ في إقامة صلوات العيد في الساحات والميادين كدليل على عودة الإسلاميين، ومن هنا  قفزت الجماعات الإسلامية من خلف الأسوار الجامعية إلى رحب المجتمع الأوسع.

 يتبع..

ads
Advertisements
Advertisements
ads
ads