الثلاثاء 06 أكتوبر 2026 الموافق 25 ربيع الثاني 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

ماذا كان سيحدث لو بدأت حرب أكتوبر صباحًا؟ سر التوقيت الذي حُسم بعد دراسات طويلة

حرب أكتوبر
حرب أكتوبر

في الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهر يوم السبت 6 أكتوبر 1973، انطلقت الطائرات المصرية نحو أهدافها في سيناء، وبدأت المدفعية المصرية تمهيدها النيراني على امتداد جبهة قناة السويس، لتبدأ واحدة من أهم المعارك في التاريخ المصري الحديث.

 لكن اختيار هذا التوقيت تحديدًا لم يكن قرارًا عشوائيًا، ولم يكن مجرد محاولة لاختيار ساعة غير معتادة لمفاجأة إسرائيل، وإنما جاء بعد دراسات عسكرية دقيقة راعت طبيعة قناة السويس، وضوء النهار، وموعد حلول الظلام، وحركة القمر والمد والجزر، إلى جانب ضرورة التوفيق بين ظروف الجبهتين المصرية والسورية.

وتشير الروايات العسكرية إلى أن الموعد المتداول باعتباره «الساعة الثانية ظهرًا» كان ساعة الصفر العامة للهجوم المصري السوري، بينما تسجل مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي أن بدء الهجوم كان في الساعة 14:05، أي الثانية وخمس دقائق ظهرًا يوم 6 أكتوبر 1973، وهو التوقيت الذي شهد بدء العمليات على الجبهتين المصرية والسورية.

الجمسي والبحث عن أفضل يوم وساعة

كان المشير محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة وقتها، من أبرز المسؤولين عن دراسة التوقيت المناسب لبدء الحرب. ولم تكن المهمة مجرد اختيار يوم للهجوم، وإنما تحديد لحظة تحقق أكبر قدر ممكن من الظروف الملائمة للقوات المصرية والسورية، وفي الوقت نفسه تضع القوات الإسرائيلية أمام ظروف أكثر صعوبة.

وفي شهادته، أوضح الجمسي أن الهجوم في وجود مانع مائي صعب مثل قناة السويس كان يمكن أن يبدأ مع أول ضوء، بما يمنح القوات المهاجمة أكبر عدد ممكن من ساعات النهار، إلا أن القيادة المصرية لم تختر أول النهار ولا آخره، وإنما اتجهت إلى الساعة الثانية وخمس دقائق بعد الظهر، باعتبارها ساعة غير متوقعة بالنسبة للعدو.

ولم تقتصر الدراسات على عنصر المفاجأة، بل شملت حالة قناة السويس وسرعة التيار والمد والجزر وطول الليل وحالة القمر والطقس وطبيعة الأرض، إضافة إلى الظروف التي يمكن أن تؤثر في عبور أعداد كبيرة من الجنود وإنشاء الكباري ونقل الدبابات والمعدات الثقيلة إلى سيناء.

مصر اقتربت من الليل وسوريا احتاجت إلى النهار

كانت من أصعب الحسابات التي واجهت التخطيط للحرب ضرورة بدء الهجوم المصري والسوري في توقيت متزامن تقريبًا، رغم اختلاف طبيعة العمليات والظروف على الجبهتين.

ففي الجبهة المصرية، احتاجت القوات إلى فترة من ضوء النهار لتنفيذ الضربة الجوية والتمهيد المدفعي وبدء عبور موجات المشاة لقناة السويس، بينما كان اقتراب الليل يمثل ميزة مهمة لاستكمال أعمال المهندسين العسكريين وفتح الثغرات في الساتر الترابي وإنشاء الكباري والمعديات وبدء عبور المعدات الثقيلة في ظروف تقل فيها قدرة الطيران الإسرائيلي على التدخل.

أما على الجبهة السورية، فكانت هناك حاجة إلى بدء العمليات في وقت مبكر من النهار للاستفادة من أكبر قدر ممكن من ساعات الضوء خلال القتال في الجولان.

ولهذا جرى البحث عن توقيت يحقق قدرًا من التوازن بين احتياجات الجبهتين، وانتهى التخطيط إلى اختيار الساعة الثانية ظهرًا، بما يسمح للقوات السورية بالاستفادة من ساعات النهار، وفي الوقت نفسه يمنح القوات المصرية وقتًا مناسبًا لتنفيذ المراحل الأولى من العبور قبل حلول الظلام.

ثلاث ساعات ونصف قبل آخر ضوء

كان الوقت المتبقي قبل حلول الظلام جزءًا أساسيًا من الحسابات المصرية. فقد كان مطلوبًا تنفيذ الضربة الجوية والتمهيد المدفعي ودفع الموجات الأولى من المشاة عبر القناة خلال النهار، على أن تستكمل أعمال إنشاء الكباري وفتح الممرات مع اقتراب الليل.

وتشير الدراسات المنشورة عن التخطيط للحرب إلى أن اختيار التوقيت استهدف جعل ساعة الصفر قبل آخر ضوء بنحو ثلاث ساعات ونصف تقريبًا، بما يسمح بتنفيذ المرحلة الأولى من العملية في وضح النهار، ثم الاستفادة من الظلام في استكمال أعمال العبور ونقل المعدات الثقيلة.

وبذلك لم تكن الساعة الثانية ظهرًا مجرد حل وسط بين احتياجات مصر وسوريا، وإنما جاءت نتيجة مجموعة مترابطة من الحسابات العسكرية والميدانية والطبيعية.

الشمس دخلت أيضًا في حسابات حرب أكتوبر

كان اتجاه الشمس أحد العوامل التي دخلت في دراسة توقيت الهجوم. فبدء العمليات بعد الظهر يعني وجود الشمس ناحية الغرب، أي خلف القوات المصرية المتجهة شرقًا، بينما تواجه القوات الإسرائيلية المدافعة اتجاه الشمس بدرجة أكبر، وهو ما يوفر للقوات المصرية ظروف رؤية أفضل نسبيًا.

وكان هذا العامل مرتبطًا بطبيعة الجبهة المصرية واتجاه الهجوم من غرب قناة السويس إلى شرقها، لذلك لم يكن من الممكن الاعتماد على عامل الشمس وحده دون وضع اختلاف ظروف الجبهة السورية في الاعتبار.

لماذا كان حلول الليل مهمًا للجيش المصري؟

لم يكن عبور قناة السويس مجرد انتقال الجنود بالقوارب من ضفة إلى أخرى، إذ كان على وحدات المهندسين التعامل مع الساتر الترابي المرتفع على الضفة الشرقية، وفتح الممرات باستخدام مضخات المياه، ثم إنشاء الكباري والمعديات التي تسمح بعبور الدبابات والمدفعية والعربات والمعدات الثقيلة.

وكان استمرار هذه الأعمال في وضح النهار يزيد من احتمالات تعرضها للطيران الإسرائيلي، ولذلك أصبح اقتراب الليل بعد الساعات الأولى للهجوم عنصرًا مهمًا في الخطة المصرية.

كما ارتبط اختيار موعد الحرب بظروف الإضاءة القمرية، حيث كانت ليلة العاشر من رمضان من الليالي التي روعي فيها عامل القمر بما يساعد حركة القوات واستكمال أعمال إنشاء الكباري بعد حلول الظلام.

توقيت غير مألوف أربك الحسابات

حمل اختيار الساعة الثانية ظهرًا عنصرًا آخر يتعلق بالمفاجأة وكسر النمط التقليدي للهجمات العسكرية الكبرى، التي غالبًا ما تبدأ مع أول ضوء أو قبل الغروب.

ولهذا جاء بدء حرب واسعة في منتصف النهار على نحو أقل توقعًا، وهو ما أشار إليه الجمسي في شهادته عندما أوضح أن التوقيت لم يكن في أول النهار ولا آخره، وإنما في الثانية وخمس دقائق بعد الظهر.

كما تشير وثائق أمريكية تعود إلى يوم الحرب إلى ملاحظة غرابة توقيت الهجوم، مع اعتبار أن بدء العمليات في وقت متأخر نسبيًا من النهار يمكن أن يمنح مصر وسوريا ميزة الاقتراب من الليل، عندما تقل قدرة الطيران الإسرائيلي على العمل مقارنة بساعات النهار.

لماذا كان 6 أكتوبر هو يوم حرب أكتوبر؟

لم يكن اختيار الساعة وحده نتيجة حسابات دقيقة، وإنما خضع اختيار يوم 6 أكتوبر 1973 أيضًا لدراسات متعددة. فقد وافق هذا التاريخ العاشر من رمضان 1393، كما تزامن مع «يوم كيبور» أو عيد الغفران في إسرائيل.

وشملت الحسابات دراسة العطلات الإسرائيلية، خاصة في ظل اعتماد الجيش الإسرائيلي بدرجة كبيرة على قوات الاحتياط، إلى جانب دراسة الطقس وحالة القمر والمد والجزر والظروف المناسبة على الجبهتين المصرية والسورية.

ولم يكن عيد الغفران وحده سبب اختيار يوم الحرب، كما تختصر بعض الروايات الشعبية، وإنما جاء القرار في إطار تخطيط أوسع شمل دراسة الظروف العسكرية والطبيعية والسياسية واختيار التوقيت الأكثر ملاءمة لتنفيذ العملية.

كراسة مدرسية ارتبطت بسر توقيت الحرب

وترتبط قصة تحديد موعد الحرب أيضًا باسم العقيد صلاح فهمي، الذي كان يعمل في هيئة العمليات، حيث تروي شهادات عسكرية أنه كُلف بإعداد دراسة حول أنسب يوم وساعة للهجوم، وكتب التصور الأول على أوراق كراسة مدرسية تخص ابنته «حنان».

وبحسب ما رواه اللواء أركان حرب سمير فرج، عُرضت الدراسة على اللواء محمد عبد الغني الجمسي، ثم الفريق سعد الدين الشاذلي، فوزير الحربية أحمد إسماعيل، قبل وصولها إلى الرئيس أنور السادات، واستخدمت ضمن عملية تحديد موعد الهجوم والتنسيق مع الجانب السوري.

الساعة 2:05.. اللحظة التي تحولت فيها الحسابات إلى حرب

في النهاية، لم تبدأ حرب أكتوبر في الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرًا لمجرد أن هذا التوقيت كان غير معتاد، وإنما لأنه جمع مجموعة كبيرة من العوامل في لحظة واحدة: ضوء يكفي لبدء العمليات والعبور، واقتراب سريع من الظلام لاستكمال أعمال إنشاء الكباري، وظروف مناسبة للشمس والقمر والقناة، وتوقيت يسمح بتنسيق العمليات على الجبهتين المصرية والسورية، إلى جانب عنصر المفاجأة.

وفي الساعة الثانية وخمس دقائق ظهر السادس من أكتوبر 1973، تحولت الدراسات والجداول والحسابات التي استغرقت شهورًا إلى عملية عسكرية حقيقية، حين انطلقت الطائرات المصرية، وبدأ التمهيد المدفعي، ثم اندفعت موجات المشاة إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، لتبدأ ساعات العبور التي أصبحت واحدة من أبرز صفحات التاريخ العسكري المصري.