الثلاثاء 06 أكتوبر 2026 الموافق 25 ربيع الثاني 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

سرية حتى اللحظة الأخيرة.. كيف نجحت خطة الخداع قبل حرب أكتوبر؟

حرب أكتوبر
حرب أكتوبر

بعد مرور 53 عامًا على حرب أكتوبر، لا تزال تفاصيل السادس من أكتوبر حاضرة في ذاكرة مقاتلي الحرب، ليس باعتبارها ذكرى وطنية عابرة، وإنما باعتبارها لحظات عاشوها بكل تفاصيلها؛ من أصوات الطائرات التي عبرت قناة السويس، إلى الأظرف المختومة التي لم تُفتح إلا في اللحظة الأخيرة، وصولًا إلى صيحات «الله أكبر» التي انطلقت مع خبر رفع العلم المصري على الضفة الشرقية للقناة.

وتكشف شهادات عدد من أبطال القوات المسلحة، ومن بينهم اللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصادق، واللواء أركان حرب مجدي فؤاد محمد صادق، جانبًا من تفاصيل الاستعداد لحرب أكتوبر، وكيف تحولت سنوات التدريب وإعادة بناء القوات المسلحة إلى لحظة حاسمة غيّرت مسار التاريخ.

6 أكتوبر.. سنوات من الاستعداد قبل لحظة العبور

لم يكن جميع المقاتلين يعرفون الصورة الكاملة لما كان يجري قبل السادس من أكتوبر، ولم يكن أحد يعرف الموعد النهائي لبدء الحرب، لكن الجميع كان يعلم أن سنوات طويلة من التدريب والاستعداد ستصل في النهاية إلى لحظة التنفيذ.

ويقول اللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصادق إن القوات المسلحة المصرية بدأت استعادة زمام المبادرة بعد فترة قصيرة من حرب 1967، مؤكدًا أن الشعب المصري كان ولا يزال «القوة والوقود الحقيقي» للقوات المسلحة.

ويستعيد الصادق ذكرياته عندما كان ملازمًا أول على متن المدمرة «الفاتح» خلال حرب 1967، موضحًا أن الهزيمة لم تدفع المصريين إلى الاستسلام، وإنما فتحت مرحلة جديدة من إعادة بناء القوات المسلحة والاستعداد لاستعادة الأرض والكرامة.

ويشير إلى أن الشعب المصري ظل داعمًا لجنوده، مستشهدًا بواقعة نقلها إليه أحد أشقائه، عندما عبر قناة السويس من الشرق إلى الغرب، وشاهد المدنيين المصريين وهم يجهزون الطعام للجنود والضباط ويقدمون لهم الدعم. ويؤكد أن تلك الصورة كانت تعكس حالة التلاحم بين الشعب والقوات المسلحة.

وخلال السنوات التالية، توالت العمليات العسكرية التي أكدت أن مرحلة جديدة بدأت، ومن بينها إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» بعد نحو أربعة أشهر من حرب يونيو 1967، إلى جانب نجاح القوات الجوية وقوات الصاعقة في تنفيذ مهامها.

وأوضح الصادق أن القوات المسلحة خاضت سنوات الاستعداد في ظروف صعبة، مشيرًا إلى أن بعض الوحدات البحرية كانت تعمل بأسلحة تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، ورغم صعوبات توفير قطع الغيار، تمكن الضباط والجنود المصريون من الحفاظ على جاهزية الوحدات واستمرار تنفيذ المهام.

المدمرة «الفاتح».. ظرف مختوم كشف موعد الحرب

خلال حرب أكتوبر، كان الصادق برتبة رائد بحري ومسؤولًا عن مدفعية المدمرة «الفاتح»، التي شاركت ضمن قوة بحرية في إغلاق باب المندب، إلى جانب مدمرات وفرقاطات وغواصات نفذت مهام مختلفة ضمن الخطة المصرية.

وكانت السرية عنصرًا أساسيًا في خطة حرب أكتوبر، لدرجة أن أفراد المدمرة لم يكونوا يعرفون أن الحرب ستبدأ في اليوم التالي. وعندما غادرت المدمرة موقعها، كان الاعتقاد السائد أنها تتجه إلى باكستان لإجراء أعمال صيانة وإصلاح.

وبعد مغادرة ميناء عدن، جمع قائد المدمرة الضباط في غرفة الطعام، وفتح أمامهم ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر. احتوى الظرف على أمر القتال وتحديد الموقع الذي يجب أن تتمركز فيه المدمرة عند الساعة الثانية عشرة ظهرًا يوم السادس من أكتوبر، أي قبل ساعتين من الموعد المحدد لبدء الحرب.

وكانت التعليمات تقضي بتدمير أي سفينة إسرائيلية تحاول عبور النقطة المحددة في البحر الأحمر. ويؤكد الصادق أن لحظة إعلان أمر القتال كانت من أكثر اللحظات التي شعر فيها أفراد الطاقم بالفخر والفرح.

وعند وصول المدمرة إلى موقعها المحدد، كانت تبعد عن مصر نحو 1200 ميل بحري، ولم يكن أمام أفراد الطاقم لمعرفة ما يجري داخل مصر سوى أجهزة الراديو. وعندما استمعوا إلى بيان يفيد برفع العلم المصري على الضفة الشرقية لقناة السويس، انطلقت داخل المدمرة صيحات «الله أكبر» والنصر.

واستمرت القوات البحرية في تنفيذ مهمتها، وتمكنت من إيقاف نحو 199 سفينة وتفتيشها، بينما أدى إغلاق باب المندب إلى حرمان إسرائيل، وفق الشهادة، من نحو 8.3 مليون طن من البترول، بما أثر على إمداداتها وحركة الاستيراد والتصدير.

ولم يتوقف الدور البحري عند ذلك، إذ استمر إغلاق باب المندب لمدة ثلاثة أشهر بعد انتهاء الحرب، إلى أن صدرت الأوامر بفتحه بالتزامن مع تطورات المفاوضات ومسار السلام.

ويؤكد الصادق أن القوات البحرية شاركت في مهام عديدة خلال حرب أكتوبر، شملت الغواصات والاستطلاع والعمليات الخاصة وغيرها، مشيرًا إلى أن سجل القوات البحرية لا يزال يضم الكثير من قصص البطولة.

حائط الصواريخ.. المظلة التي حمت العبور

من جانبه، يستعيد اللواء أركان حرب مجدي فؤاد محمد صادق، أحد مقاتلي الدفاع الجوي في حرب أكتوبر، تفاصيل عمل كتيبته شرق القناة في منطقة بورفؤاد ضمن تشكيل قطاع بورسعيد.

وأوضح أن المهمة الأساسية لقوات الدفاع الجوي كانت منع أي اعتداءات جوية تستهدف القوات المصرية أو حائط الصواريخ، وكذلك منع الطائرات الإسرائيلية من الوصول إلى عمق الدولة والأهداف الحيوية، حتى لا يتكرر ما حدث خلال حرب 1967.

وأشار إلى أن بناء قدرات الدفاع الجوي المصري مر بمراحل طويلة خلال حرب الاستنزاف، بدأت بتشكيل قوات الدفاع الجوي عام 1968، وصولًا إلى اكتمال حائط الصواريخ عام 1970.

ويقول اللواء مجدي صادق إن أفضل يوم في حياته كان لحظة عبور القوات المسلحة قناة السويس في السادس من أكتوبر 1973، موضحًا أن أفراد الكتيبة لم يعرفوا بموعد الحرب إلا قبل بدايتها بفترة قصيرة للغاية.

وقبل الحرب بنحو أسبوع، أُبلغ أفراد الكتيبة بوجود «مشروع استراتيجي»، وهو أمر كان معتادًا في القوات المسلحة، ولذلك لم يمثل مؤشرًا واضحًا على قرب الحرب. وحتى الساعة الثانية إلا ربع ظهر السادس من أكتوبر، كان أفراد الكتيبة يؤدون مهامهم بصورة طبيعية.

ثم تلقى قائد الكتيبة اتصالًا، وفتح ظرفًا مختومًا محفوظًا داخل الخزنة، ليجد بداخله التعليمات الخاصة بتنفيذ الخطة التي تدرب عليها أفراد الكتيبة لسنوات.

وبعد بدء العمليات بنحو 10 دقائق، سمع أفراد الكتيبة أصوات الطائرات وهي تعبر قناة السويس، لتصبح تلك اللحظة إعلانًا واضحًا عن بداية الحرب.

ويؤكد اللواء مجدي صادق أن السرية كانت جزءًا أساسيًا من خطة الخداع الاستراتيجي، وأن المستويات العليا من القيادة كانت تحتفظ بتوقيتات التنفيذ حتى اللحظة الأخيرة، بينما كان المطلوب من كل وحدة تنفيذ ما تدربت عليه فور صدور الأمر.

وخلال المواجهات الجوية، واجهت الطائرات الإسرائيلية صواريخ الدفاع الجوي، وأشار صادق إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي أعلن بعد نحو 48 ساعة أن القوات الجوية الإسرائيلية خسرت في اليوم الأول 50 طائرة على الجبهة، وهو ما دفع الجانب الإسرائيلي إلى إصدار تعليمات لقواته الجوية بعدم الاقتراب من منطقة القناة لمسافة 15 كيلومترًا.

ويؤكد أن الهدف الأساسي لقوات الدفاع الجوي تحقق بتوفير مظلة دفاعية للقوات العابرة للقناة، وهو ما ساعد على تنفيذ عملية العبور بأعداد ضخمة.

وخلال 24 ساعة، تمكنت القوات المصرية من عبور نحو 90 ألف جندي وضابط، و850 دبابة، ونحو 11 ألف مركبة ومدفع، وفق ما ورد في الشهادة.

وتوضح هذه الشهادات أن حرب أكتوبر لم تكن معركة واحدة، وإنما مجموعة واسعة من العمليات التي شاركت فيها مختلف أفرع القوات المسلحة؛ من القوات الجوية والبحرية والبرية إلى قوات الدفاع الجوي، حيث أدى كل فرع دوره ضمن خطة متكاملة.

وبعد 53 عامًا، لا تزال تفاصيل تلك الأيام حاضرة في ذاكرة مقاتلي أكتوبر؛ من لحظة فتح الظرف المختوم، إلى أصوات الطائرات، وعبور القناة، وسماع خبر رفع العلم المصري على الضفة الشرقية.

وتبقى الرسالة الأبرز التي تجمع شهادات هؤلاء المقاتلين أن نصر أكتوبر لم يكن وليد السادس من أكتوبر وحده، وإنما كان حصيلة سنوات طويلة من إعادة البناء والتدريب والصبر والتضحيات، إلى جانب دعم الشعب المصري لقواته المسلحة، حتى جاءت اللحظة التي تحولت فيها الاستعدادات إلى عبور وانتصار واستعادة للثقة.