الأربعاء 23 سبتمبر 2026 الموافق 12 ربيع الثاني 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

هل رياضيات ثالثة ابتدائي صعبة؟.. خبير تربوي يحدد أسباب الجدل حول المنهج الياباني

الدكتور عاصم حجازي
الدكتور عاصم حجازي أستاذ علم النفس التربوي

علق الدكتور عاصم حجازي، الخبير التربوي وأستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، على شكاوى عدد من أولياء أمور طلاب الصف الثالث الابتدائي بشأن صعوبة منهج الرياضيات الجديد، الذي يعتمد على الطريقة اليابانية في تقديم المفاهيم والتدريبات.

وأوضح حجازي، في تصريحات خاصة لـ«الرئيس نيوز»، أن الجدل الحالي حول المنهج لا ينبغي أن يتحول إلى حكم مباشر على المنهج الياباني نفسه، وإنما يجب أن يطرح سؤالًا أكثر أهمية، وهو: هل جرى تهيئة البيئة التعليمية المصرية لتطبيق فلسفة هذا المنهج؟

عاصم حجازي: المشكلة ليست بالضرورة في المنهج الياباني

وأشار الخبير التربوي إلى أنه، بحسب ما أعلنته وزارة التربية والتعليم، بدأ تطبيق مخرجات الرياضيات اليابانية في الصف الأول الابتدائي، ثم امتد إلى الصفين الثاني والثالث الابتدائي في العام الدراسي 2026-2027، مع التدريس باللغة العربية، كما أتاحت الوزارة منهج الصفين الثاني والثالث إلكترونيًا في سبتمبر 2026.

وأوضح أن المشكلة قد لا تكون في المنهج الياباني ذاته، وإنما في فجوة الانتقال من فلسفة تعليمية إلى سياق تعليمي مختلف.

وأضاف أن منهج الرياضيات الياباني لا يقوم فقط على تغيير محتوى الكتاب، وإنما يرتبط بطريقة مختلفة في التفكير والتعلم، إذ يمنح مساحة أكبر للفهم والاستكشاف والمناقشة، وتعدد طرق الوصول إلى الحل، وتنمية التفكير الرياضي وحل المشكلات.

نقل الكتاب وحده لا يكفي لتطبيق التجربة اليابانية

وأكد حجازي أن نقل المحتوى وحده من دون نقل طريقة التدريس والتقويم، إلى جانب تدريب المعلم، قد يجعل الطالب يرى المنهج باعتباره أكثر صعوبة، حتى لو كان الهدف الأصلي من المنهج هو جعل الرياضيات أكثر فهمًا.

وشدد على أن المنهج لا يمكن استيراده بمعزل عن المنظومة التعليمية التي أنتجته، موضحًا أن نجاح التجربة يرتبط بقدرة البيئة التعليمية على استيعاب فلسفتها وأسلوبها في التدريس والتقييم.

علم نفس الطفل يفرض التدرج من المحسوس إلى المجرد

ومن الناحية النفسية، أوضح أستاذ علم النفس التربوي أن الطفل في الصف الثالث الابتدائي لا يزال بحاجة إلى الانتقال بصورة تدريجية من المحسوس إلى المجرد.

وأشار إلى أن تقديم مسائل تتطلب تفسيرًا وتبريرًا ومقارنة بين استراتيجيات الحل قد يكون مفيدًا تربويًا، لكنه يحتاج إلى تدرج يتناسب مع النمو المعرفي واللغوي للطفل.

وأكد أن رد فعل الطفل تجاه المنهج يتأثر بدرجة كبيرة بطريقة تقديمه، فإذا شعر بأن الرياضيات أصبحت مجموعة من المسائل الغامضة التي لا يعرف كيف يبدأ في حلها، فقد تتكون لديه مشاعر واتجاهات سلبية تجاه المادة.

مخاوف نفسية من صعوبة منهج الرياضيات

وأوضح عاصم حجازي أن من أبرز النتائج المحتملة عندما يشعر الطفل بأن المنهج غير واضح أو يفوق قدرته:

  • القلق من مادة الرياضيات.
  • انخفاض الثقة في القدرة على الحل.
  • تجنب المشاركة خوفًا من الخطأ.
  • الاعتماد بصورة أكبر على الأسرة أو الدروس الخصوصية.
  • تكوين اتجاه سلبي مبكر نحو المادة.

وفي المقابل، أشار إلى أنه عندما يقدم المنهج باعتباره مشكلة يتم اكتشاف حلها بصورة مشتركة، ويصبح الخطأ جزءًا طبيعيًا من عملية التعلم، فإن التحدي نفسه يمكن أن يتحول إلى فرصة لتنمية التفكير والاستقلالية وحل المشكلات.

عاصم حجازي يحذر من تحول ولي الأمر إلى معلم مساعد

ولفت الخبير التربوي إلى أن الأخطر تربويًا هو أن يتحول ولي الأمر إلى معلم مساعد إجباري، بسبب اختلاف طريقة الحل عما اعتاد عليه عندما كان طالبًا.

وأوضح أن هذا الأمر يمثل أحد مصادر القلق التي ظهرت مؤخرًا، ولفتت الانتباه إلى مخاوف مرتبطة بتدريب المعلمين، ووقت الحصة الدراسية، وقدرة الأسرة على التعامل مع الطريقة الجديدة.

وشدد على ضرورة أن تكون الرسالة واضحة للأسر، وهي أن ولي الأمر ليس مطلوبًا منه حل المسألة بدلًا من الطفل، وإنما مساعدته على التفكير فيها والوصول إلى الحل بنفسه.

هل المنهج الياباني صعب؟ 

وأكد حجازي أن السؤال الأدق من الناحية التربوية ليس مجرد القول إن المنهج صعب أو سهل، لأن الصعوبة مفهوم نسبي يتأثر بعدة عوامل.

وأوضح أن مستوى الصعوبة يرتبط بمستوى الطفل السابق، والتدرج داخل المنهج، وزمن الحصة، وكثافة الفصل، وتدريب المعلم، وطريقة التقويم، والدعم الذي يحصل عليه الطفل، ومدى اتساق المنهج مع خبراته التعليمية السابقة.

وأشار إلى أن وزارة التربية والتعليم أعلنت أن الهدف من تطوير المناهج هو الوصول إلى مخرجات تعلم تركز على التفكير والتحليل بدل الحفظ والتلقين، مؤكدًا أن هذا هدف تربوي مختلف عن مجرد زيادة صعوبة المحتوى.

العدالة التعليمية تحدٍ أمام تطبيق المنهج الجديد

وتناول أستاذ علم النفس التربوي قضية أخرى وصفها بالمهمة، وهي العدالة التعليمية.

وأوضح أنه إذا أصبح نجاح الطالب في التعامل مع المنهج الجديد يحتاج إلى أدوات تعليمية إضافية، أو وقت إضافي، أو شرح منزلي، أو مدرس خصوصي يستطيع شرح الطريقة اليابانية، فقد تظهر فجوة بين الأطفال الذين تتوافر لهم هذه الموارد وأقرانهم الذين لا تتوافر لهم.

وأكد أن نجاح التجربة لا يجب أن يقاس فقط بدرجات الطلاب، وإنما أيضًا بمدى قدرتهم على تعلم المنهج داخل المدرسة، دون أن يصبح النجاح معتمدًا بدرجة كبيرة على ما يحصل عليه الطفل خارجها.

السؤال الحقيقي: هل نطبق فلسفة أم كتابًا يابانيًا؟

وأوضح حجازي أن السؤال الأهم، من وجهة نظره، ليس ما إذا كان المنهج الياباني جيدًا أو سيئًا، وإنما هل يتم تطبيق فلسفة المنهج الياباني داخل البيئة التعليمية المصرية، أم يتم تطبيق كتاب ياباني داخل بيئة مصرية؟

وأكد أن تطوير كتاب الرياضيات وحده لا يكفي لتطوير تعلم الرياضيات، مشيرًا إلى أنه إذا كان الهدف هو تعليم الطفل كيف يفكر، فيجب أولًا تدريب المعلم على كيفية تعليم التفكير، مع توفير الوقت والبيئة التعليمية المناسبة.

كما شدد على ضرورة ألا يتحول اختلاف طريقة الحل إلى مصدر قلق للطفل أو عبء إضافي على الأسرة.

التجربة فرصة للانتقال من الحفظ إلى التفكير

ورأى الخبير التربوي أن التجربة يمكن أن تمثل فرصة مهمة للانتقال من تعليم الرياضيات باعتبارها مجموعة من الإجراءات المحفوظة إلى التعامل معها باعتبارها مجالًا للفهم والتفكير وحل المشكلات.

وأكد في الوقت نفسه أن نجاح هذه التجربة يتوقف على جودة التنفيذ والتدرج والتدريب والمتابعة العلمية المستمرة.

عاصم حجازي يطالب بتقييم التجربة ببيانات فعلية

وأضاف حجازي نقطة وصفها بالمهمة جدًا، وهي ضرورة تقييم التجربة التعليمية الجديدة من خلال بيانات فعلية على عينة واسعة من التلاميذ، وليس اعتمادًا على انطباعات أولياء الأمور وحدها أو تصريحات النجاح وحدها.

وأوضح أن التقييم العلمي ينبغي أن يشمل قياس التحصيل الدراسي، والفهم المفاهيمي، والقدرة على حل المشكلات، ومستوى القلق الرياضي، واتجاهات الأطفال نحو مادة الرياضيات، إلى جانب رصد الفروق بين الفئات والمدارس.

وأكد أن هذه المؤشرات هي التي يمكن أن تساعد في حسم الجدل حول منهج الرياضيات الجديد من الناحيتين التربوية والنفسية بصورة أكثر موضوعية.