من الاستخبارات إلى وريث أردوغان.. لماذا يثير هاكان فيدان قلق إسرائيل؟
أشارت صحيفة إسرائيل هيوم إلى أنه في تركيا، لا يحتاج المرء إلى أن يكون نجما سياسيا حتى يصبح اسمه مطروحا على طاولة الخلافة، مضيفة: "يكفي أحيانا أن يكون قد أمضى سنوات في الغرف المغلقة في قلب الدولة وأجهزتها السيادية، وأن يعرف كيف تعمل من الداخل، وأن يحظى بثقة أردوغان.
هاكان فيدان شخصية قد تقود تركيا في المستقبل،
ولفت موقع جيران الاتحاد الأوروبي EU Neighbours إلى أن الاهتمام بوزير الخارجية التركي، هاكان فيدان لا يأتي من أنقرة وحدها؛ فدوائر إسرائيلية تراقب صعوده باعتباره شخصية قد تقود تركيا في المستقبل، وربما تدفعها إلى مواجهة أكثر صراحة مع إسرائيل.
من رجل المخابرات إلى واجهة السياسة
تجدر الإشارة إلى أن فيدان ليس سياسيا تقليديا صنع نجوميته عبر صناديق الانتخابات والخطب الجماهيرية. فوازير الخارجية، المولود في أنقرة عام 1968، أمضى جزءا كبيرا من مسيرته داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية قبل أن يصل إلى قمة جهاز الاستخبارات التركي، الذي تولى قيادته لأكثر من عقد.
وفي عام 2023 اختاره الرئيس رجب طيب أردوغان وزيرا للخارجية، في انتقال حمل دلالة واضحة، فهو الذي كان يدير الملفات الحساسة من خلف الستار، ثم أصبح مسؤولا عن تقديم السياسة الخارجية التركية إلى العالم. وتصفه مصادر رسمية تركية بأنه صاحب خلفية عسكرية وأكاديمية في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بينما تشير التقارير الغربية إلى أن سنواته في الاستخبارات جعلته واحدا من أكثر المقربين معرفة بعالم الأمن وصناعة القرار حول أردوغان.
هذه الخلفية هي بالضبط ما يجعل فيدان مختلفا عن كثير من الأسماء التي يمكن أن تدخل سباق خلافة أردوغان. فهو يعرف المؤسسة الأمنية، وملفات سوريا والعراق وإيران وروسيا، وشبكة العلاقات الإقليمية التي بنتها أنقرة خلال السنوات الأخيرة. كما أنه ليس وافدا جديدا إلى دوائر الحكم؛ فقد كان جزءا من عملية صنع القرار في عهد أردوغان لسنوات طويلة.
ولهذا بدأت بعض التحليلات تنظر إليه باعتباره امتدادا محتملا للنظام أكثر من كونه قطيعة معه، مع احتفاظه في الوقت نفسه بصورة رجل دولة قادر على العمل خلف الأبواب المغلقة.
لماذا يثير فيدان قلق إسرائيل؟
تقول صحيفة تايمز أوف إسرائيل إن السبب الأبرز هو أن صعود فيدان يتزامن مع تحول تركيا نفسها إلى لاعب أكثر نشاطا في الشرق الأوسط. فقد أصبحت أنقرة أحد أبرز الداعمين للقيادة السورية الجديدة بعد سقوط بشار الأسد، وشاركت في تدريب القوات السورية ودعم إعادة بناء مؤسسات الدولة. وفي المقابل، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل سوريا، معتبرة أن وجود قوى إقليمية منافسة قد يهدد مصالحها الأمنية. ومع اتساع الدور التركي في سوريا، بدأ التنافس بين أنقرة وتل أبيب يتحول من خلاف سياسي إلى مسألة ذات أبعاد عسكرية مباشرة.
وفي قلب هذا التوتر يقف فيدان نفسه. ففي السادس من أغسطس الجاري، قال إن الضربات الإسرائيلية على سوريا تمثل أحد أكبر التهديدات لاستقرار البلاد، واتهم إسرائيل بتقويض سيادة سوريا وسلامتها الإقليمية. وبعد أيام فقط، اندلعت أزمة جديدة عندما شنت إسرائيل ثماني غارات على قاعدة أبو الظهور شمال غربي سوريا، في خطوة قالت تقارير إنها استهدفت منع انتشار عسكري تركي محتمل هناك. وبلغت حساسية الموقف درجة دفعت واشنطن إلى العمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا.
إسرائيل لا ترى فيدان مجرد وزير خارجية
في بعض الدوائر الإسرائيلية، تتجاوز القراءة شخصية فيدان ومواقفه الحالية إلى السؤال الأوسع: ماذا ستفعل تركيا إذا أصبح هذا الرجل في موقع أردوغان؟ صحيفة إسرائيل هيوم تناولت في يوليو احتمال أن يقود فيدان تركيا في المستقبل، وربطت بين صعوده وبين احتمال انتقال أنقرة إلى مواجهة أكثر حدة مع إسرائيل. التقرير أشار إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتابع فيدان منذ فترة، في ظل سجله الاستخباراتي ومواقفه من إسرائيل وعلاقاته الإقليمية، وفقا لصحيفة جيروزاليم بوست.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة. ففيدان نفسه قال في يوليو إنه لا يرى سببا لصراع مفتوح بين تركيا وإسرائيل، واتهم سياسيين إسرائيليين باستخدام تركيا كعدو جديد مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. هذه الرسالة تكشف جانبا مهما من شخصيته السياسية: خطاب حاد تجاه سياسات حكومة نتنياهو، لكنه يترك الباب مفتوحا أمام إدارة الصراع ومنع تحوله إلى حرب مباشرة. وهذا يتسق مع خلفيته الاستخباراتية، حيث تصبح قنوات الاتصال وإدارة المخاطر جزءا من السياسة بقدر أهمية المواقف العلنية.
خليفة أردوغان أم مجرد اسم متداول؟
حتى الآن، لا يوجد إعلان تركي رسمي يضع فيدان في موقع الوريث السياسي لأردوغان، كما أن الحديث عن الخلافة يظل تحليلا لا حقيقة سياسية مكتملة. لكن أهمية الرجل تكمن في موقعه الحالي أكثر من أي لقب مستقبلي. فهو يجمع بين الخبرة الأمنية والدبلوماسية، ويتمتع بثقة الرئيس، ويقف في مركز ملفات الشرق الأوسط الأكثر حساسية. ومع اتساع الدور التركي في سوريا وازدياد التوتر مع إسرائيل، أصبح فيدان أحد الوجوه التي يصعب على أجهزة الاستخبارات ومراكز القرار الإقليمية تجاهلها.
واللافت أن إسرائيل لا تراقب فيدان بمعزل عن التحول الأكبر في تركيا. فالتقديرات الإسرائيلية الحديثة تتحدث عن صعود تركيا باعتبارها قوة سنية إقليمية أكثر تأثيرا، خصوصا بعد تراجع نفوذ إيران في المنطقة. ومع اتفاق الدفاع الذي جمع تركيا والسعودية وباكستان في أغسطس، تتسع أيضا مساحة الحركة التركية في الحسابات الأمنية الإقليمية. لذلك، فإن السؤال الإسرائيلي الحقيقي قد لا يكون فقط ما إذا كان سيخلف أردوغان؟ بل أي شكل لسياسة تركيا سيظهر إذا حدث ذلك، وإلى أي حد ستتغير قواعد اللعبة مع إسرائيل؟