الأقصر على موعد مع أطول كسوف شمسي كلي في القرن
في 2 أغسطس 2027، يتوقع أن تكون مدينة الأقصر المصرية على موعد مع ظاهرة فلكية استثنائية، عندما يعبر ظل القمر فوق المدينة القديمة ويحول النهار إلى ظلام مؤقت في أطول كسوف شمسي كلي متبقي خلال القرن الحادي والعشرين. وستستمر مرحلة الكسوف الكلي في الأقصر نحو 6 دقائق و20 ثانية، بينما تبلغ المدة القصوى على مسار الكسوف قرابة 6 دقائق و23 ثانية في منطقة تقع إلى الجنوب الشرقي من المدينة.
وتؤكد حسابات وكالة ناسا أن الكسوف ينتمي إلى سلسلة Saros 136، وأن أقصى مدة للكسوف الكلي تبلغ نحو 6 دقائق و23.2 ثانية، وفقا لمجلة فوربس الأمريكية.
الأقصر.. حين يمر ظل القمر فوق مدينة الشمس
وأضافت فوربس أن ما يجعل الحدث استثنائيا لا يتعلق بطول فترة الظلام وحدها، بل بالمكان الذي سيشهدها. فالأقصر تقوم على موقع طيبة القديمة، العاصمة التي بلغت فيها الحضارة المصرية القديمة ذروة نفوذها، وتضم على ضفتي النيل مجموعة من أشهر آثار العالم القديم، من معبدي الكرنك والأقصر إلى وادي الملوك ووادي الملكات ومعبد حتشبسوت وتمثالي ممنون.

ومن المتوقع أن يعبر ظل القمر فوق مدينة ارتبط تاريخها نفسه بالشمس والعبادة والفلك، في مشهد نادر يجمع بين ظاهرة كونية كبرى ومشهد أثري لا يتكرر. وتصف تقارير فلكية الأقصر بأنها الوجهة الأبرز للراغبين في مشاهدة الكسوف، بسبب اجتماع طول فترة الكلية مع ثراء المنطقة الأثري.
6 دقائق تحدث في العمر مرة
خلال مرحلة الكسوف الكلي، سيحجب القمر قرص الشمس بالكامل، فتختفي الإضاءة القوية للنهار ويظهر الغلاف الخارجي للشمس، المعروف باسم الهالة الشمسية، في السماء المظلمة. ولن يكون الأمر مجرد انخفاض عابر في شدة الضوء، بل تحولا واضحا في المشهد المحيط خلال دقائق معدودة.
وفي الأقصر، من المتوقع أن يحدث الكسوف الكلي في أوائل فترة الظهيرة، عندما تكون الشمس مرتفعة جدًا في السماء. وتقدر بعض الحسابات ارتفاعها بنحو 82 درجة فوق الأفق، وهو ما يجعل مراقبة الهالة الشمسية مختلفة عن الكسوفات التي تحدث والشمس فيها قريبة من الأفق.
لماذا يستمر الكسوف كل هذا الوقت؟
المدة الاستثنائية للكسوف ليست مصادفة، وإنما نتيجة هندسة فلكية دقيقة. فالكسوف ينتمي إلى دورة Saros 136، وهي عائلة من الكسوفات اشتهرت بإنتاج فترات طويلة نسبيا من الكسوف الكلي. وفي أغسطس 2027 سيكون القمر قريبًا نسبيًا من الأرض، فيبدو أكبر قليلًا من المعتاد، بينما تكون الأرض قريبة من أبعد نقطة لها عن الشمس، فتبدو الشمس أصغر قليلًا في السماء. وعندما تجتمع هذه الظروف مع موقع الكسوف ومسار ظل القمر، يصبح القمر قادرا على تغطية قرص الشمس لفترة أطول، ما ينتج واحدة من أطول فترات الكسوف الكلي التي يمكن للبشر مشاهدتها خلال هذا القرن.
طقس مصر يمنحها أفضلية كبيرة
هناك عامل آخر يجعل مصر جذابة للغاية أمام هواة الكسوف: الطقس. فالكسوف سيحدث في أغسطس، وهو شهر يتميز عادة بسماء شديدة الصفاء في معظم أنحاء مصر، خصوصًا مقارنة بمناطق أخرى على مسار الكسوف. ويشير تقرير مجلة فوربس إلى أن احتمالات الغيوم في مصر خلال هذه الفترة منخفضة للغاية، بفضل نظام الضغط المرتفع شبه المداري الذي يهيمن على شمال أفريقيا.
لكن صفاء السماء لا يعني اختفاء جميع المخاطر؛ فالغبار والعوالق الجوية والضباب قد تؤثر في جودة الرؤية، ولذلك يظل اختيار موقع المشاهدة عاملًا مهمًا حتى داخل المنطقة نفسها.

حرارة تتجاوز 42 درجة.. ثم هبوط مفاجئ
المفارقة أن زوار الأقصر لن يواجهوا الظلام وحده، بل حرارة أغسطس أيضًا. فقد تتجاوز درجات الحرارة في المدينة 42 درجة مئوية خلال هذه الفترة. لكن أثناء الكسوف الكلي يمكن أن تنخفض درجة الحرارة لفترة قصيرة بنحو 10 درجات مئوية نتيجة اختفاء الإشعاع الشمسي المباشر، قبل أن تعود الحرارة إلى الارتفاع سريعًا مع عودة الشمس إلى الظهور.
وهذا الانخفاض الحراري القصير يمثل أحد التأثيرات الطبيعية اللافتة التي يمكن ملاحظتها خلال الكسوف الكلي، إلى جانب التغير المفاجئ في الإضاءة وسلوك البيئة المحيطة.
الأقصر لن تكون وحدها في المشهد
مسار الكسوف الكلي سيكون واسعا وطويلا، ويمتد عبر أجزاء من إسبانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر والسعودية واليمن والصومال.
وتقدر المصادر الفلكية أن نحو 89 مليون شخص يعيشون داخل نطاق مسار الكسوف الكلي. لكن مصر تتمتع بميزة خاصة؛ فموقع أطول مدة للكسوف يقع بالقرب من الأقصر، ما يمنح المدينة أفضلية واضحة على معظم الوجهات الأخرى الواقعة على المسار.

بدائل للأقصر لمن يريد الهروب من الزحام
رغم أن الأقصر ستكون على الأرجح مركز الاهتمام العالمي، فإنها ليست المكان الوحيد المناسب لمشاهدة الظاهرة في مصر. وتبرز مناطق مثل دندرة شمال الأقصر، وواحة البحرية غرب القاهرة، إلى جانب سيوة وأبيدوس وإدفو وبعض المناطق المطلة على البحر الأحمر، كخيارات بديلة. وقد توفر هذه المواقع تجربة أكثر هدوءًا وأقل ازدحامًا، مع الاحتفاظ بميزة وجودها داخل مسار الكسوف الكلي.
ومع ذلك، تبقى الأقصر الأكثر تميزا من حيث الجمع بين طول فترة الكسوف والمناظر الأثرية التي تحيط بالمشاهد من كل جانب.
مدينة أثرية تستعد لمشهد لن يتكرر قريبًا
من المتوقع أن تجذب الظاهرة أعدادا ضخمة من هواة الفلك والسياحة الفلكية من مختلف أنحاء العالم. ومن المرجح أن يختار كثير منهم الفنادق أو السفن السياحية في النيل أو المناطق المفتوحة القريبة من النهر بدلًا من الوقوف داخل أشهر المواقع الأثرية، خصوصًا إذا فُرضت قيود على الوصول إلى بعض المعابد والمناطق الأثرية.

وتكتسب الاستعدادات أهمية أكبر لأن هذا الكسوف سيكون الأطول على اليابسة منذ عام 1991 وحتى عام 2114، وفق المقارنات الفلكية التي أوردتها Forbes. أي أن نافذة مشاهدة كسوف بهذه المدة وفي هذا الموقع الأثري تحديدًا لن تتكرر بسهولة خلال حياة معظم من سيشهدونه.
عندما يلتقي تاريخ مصر بظاهرة من السماء
في النهاية، لن يكون كسوف 2027 مجرد حدث فلكي عابر في مصر. فبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام على تشييد المعابد والمقابر التي جعلت طيبة واحدة من أعظم مدن العالم القديم، سيعود القمر ليصنع مشهدًا سماويًا فوق المكان نفسه.
وسيجد آلاف الزوار أنفسهم في الأقصر يوم 2 أغسطس 2027 أمام لحظة نادرة: شمس اختفت خلف القمر، وسماء تحولت فجأة إلى ليل، وهالة شمسية ظهرت فوق واحدة من أغنى المناطق الأثرية على وجه الأرض.