أفريقيا تعزز مرونتها الاقتصادية رغم ضغوط الأسواق العالمية
أظهر تقرير حديث صادر عن البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد «أفريكسيم بنك» أن عددا من الاقتصادات الإفريقية نجح في تعزيز قدرته على مواجهة الضغوط الخارجية خلال الفترة الأخيرة، مستفيدا من مجموعة من العوامل الاقتصادية والهيكلية التي ساهمت في تحقيق قدر من الاستقرار، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية وتشدد الأوضاع المالية العالمية، في مؤشر يعكس تحسن قدرة عدد من الدول على التعامل مع الصدمات الخارجية.
وأوضح تقرير البنك الصادر بعنوان «التطورات الأخيرة في البيئة الاقتصادية الكلية الإفريقية لشهر يوليو 2026»، أن تحسن الأداء الاقتصادي في عدد من دول القارة لم يكن مرتبطا بعامل واحد، وإنما جاء نتيجة تداخل مجموعة من التطورات، من بينها ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية، وتنفيذ إصلاحات في أسواق الصرف الأجنبي، وتحسين إدارة المالية العامة، إلى جانب تشديد السياسات النقدية وتدفق تحويلات العاملين في الخارج.
وأشار التقرير إلى أن قوة أسعار الذهب والنحاس والقهوة خلال الفترة محل الرصد ساعدت الاقتصادات الإفريقية التي تعتمد بصورة كبيرة على تصدير الموارد الطبيعية، حيث أدى تحسن أسعار هذه السلع إلى دعم شروط التبادل التجاري وتحسين تدفقات النقد الأجنبي، وهو ما انعكس بصورة إيجابية على استقرار العملات وتقليص الضغوط الواقعة على الحساب الجاري في عدد من الاقتصادات.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للدول الإفريقية التي ترتبط إيراداتها الخارجية بدرجة كبيرة بأسواق السلع الأولية، إذ يمكن لارتفاع أسعار صادراتها الرئيسية أن يوفر لها مساحة أكبر لتمويل احتياجاتها الخارجية، وتحسين قدرتها على مواجهة ارتفاع تكلفة الواردات أو تشدد شروط الحصول على التمويل الدولي، وهو ما ساعد بعض الاقتصادات على الحفاظ على قدر من الاستقرار رغم البيئة العالمية الصعبة.
22 دولة تتجاوز 5% نموا
وكشف تقرير «أفريكسيم بنك» عن تسجيل 22 دولة إفريقية معدل نمو يتجاوز 5% خلال عام 2025، من بينها 6 دول تجاوز معدل نموها 7%، بما يعكس استمرار وجود بؤر قوية للنمو الاقتصادي داخل القارة، رغم التحديات التي فرضتها الأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية على الأسواق الناشئة والدول النامية.
وبرزت منطقة شرق إفريقيا بصورة خاصة، بعدما سجلت معدل نمو بلغ 6.2% خلال عام 2025، مع توقعات باستمرار الأداء عند مستويات مماثلة خلال عام 2026، وهو ما يعكس قوة النشاط الاقتصادي في عدد من دول المنطقة واستمرار الاستثمارات والإصلاحات التي تستهدف تحسين بيئة الأعمال وتعزيز الإنتاج.
وأشار التقرير إلى أن دولا مثل بنين وساحل العاج ورواندا وأوغندا جاءت ضمن الاقتصادات التي حققت معدلات نمو قوية، وتعد من بين أسرع الاقتصادات نموا على المستوى العالمي، وهو ما يعكس تنوع مصادر النمو في القارة الإفريقية وعدم اقتصاره على الاقتصادات الكبرى أو الدول الغنية بالموارد الطبيعية.
ويعكس هذا الأداء وجود تحول تدريجي في خريطة النمو الإفريقية، مع تنامي دور قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات والاستثمارات والبنية التحتية، إلى جانب استفادة بعض الدول من برامج الإصلاح الاقتصادي وتحسين الإدارة المالية وتطوير بيئة الاستثمار، وهي عوامل يمكن أن تساعد على استمرار النمو إذا توافرت الظروف المحلية والدولية الداعمة.
إصلاحات الصرف تعزز الأرصدة الخارجية
ولفت البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد إلى أن إصلاحات أسواق الصرف الأجنبي التي جرى تنفيذها في دول مثل نيجيريا وإثيوبيا ساهمت في تحسين الأرصدة الخارجية، من خلال التعامل بصورة أكثر مرونة مع اختلالات سوق العملات وتعزيز قدرة الاقتصاد على استعادة التوازن في مواجهة الضغوط على النقد الأجنبي.
كما ساهمت الإجراءات المتعلقة بإعادة هيكلة دعم الوقود في عدد من الدول، بينها أنجولا وإثيوبيا ونيجيريا، في تعزيز الاستدامة المالية، إذ أتاحت هذه الإصلاحات للحكومات تقليص جانب من الضغوط التي كانت تتحملها الموازنات العامة نتيجة دعم أسعار الطاقة، مع توجيه الموارد بصورة أكبر إلى مجالات أخرى.
ورغم أن مثل هذه الإصلاحات قد تفرض ضغوطا اقتصادية واجتماعية على المدى القصير، فإن التقرير ينظر إليها باعتبارها جزءا من إجراءات أوسع تستهدف تحسين كفاءة المالية العامة وتقليل الاختلالات التي يمكن أن تحد من قدرة الحكومات على مواجهة الأزمات، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التمويل عالميا وتزايد الضغوط على الاقتصادات الناشئة.
التضخم يتراجع إلى 3.4%
وساهمت السياسات النقدية الأكثر تشددا في عدد من الاقتصادات الإفريقية في خفض متوسط التضخم بالقارة إلى نحو 3.4% بنهاية عام 2025، في تطور يعكس نجاح بعض البنوك المركزية في احتواء ضغوط الأسعار وإعادة قدر من الاستقرار إلى الأسواق المحلية.
ويعد تراجع التضخم من المؤشرات المهمة بالنسبة للاقتصادات الإفريقية، لأنه يساهم في تحسين القوة الشرائية للأسر وتقليل حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، كما يمنح صانعي السياسات مساحة أكبر للتعامل مع أسعار الفائدة والنمو والاستثمار وفقا للتطورات الاقتصادية.
وفي السياق نفسه، شهدت دول مثل غانا وجنوب إفريقيا وزامبيا تحسنا في تقييمات الجدارة الائتمانية السيادية، وهي التقييمات التي تستخدمها وكالات التصنيف العالمية لقياس قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها المالية وسداد ديونها، وهو ما يمكن أن يساهم في تحسين فرص الحصول على التمويل وتقليل تكلفة الاقتراض مستقبلا.
تحسن المالية العامة وتراجع الدين
وأظهر التقرير تحسنا في مؤشرات المالية العامة، حيث تراجع متوسط العجز المالي في القارة من 3.4% خلال عام 2024 إلى 3% خلال عام 2025، بالتزامن مع انخفاض متوسط الدين العام من 57.2% إلى 53.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويرتبط هذا التحسن بعدد من الإصلاحات التي استهدفت تعزيز قدرة الحكومات على تعبئة الإيرادات وتحسين كفاءة الإنفاق العام، بما يساعد على تقليل الاختلالات المالية وتوفير مساحة أكبر للتعامل مع الأزمات الاقتصادية الطارئة.
ويمثل انخفاض مستويات العجز والدين تطورا مهما في ظل البيئة العالمية التي تتسم بارتفاع تكلفة التمويل، إذ إن قدرة الدولة على ضبط ماليتها العامة تقلل من مخاطر الضغوط على الموازنة وتدعم ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
السندات الإفريقية تجذب المستثمرين
وأشار «أفريكسيم بنك» إلى أن السيولة العالمية الميسرة خلال عامي 2024 و2025 ساهمت في زيادة الإقبال على المخاطر، وهو ما انعكس على قدرة عدد من الدول الإفريقية على الوصول إلى أسواق التمويل الدولية، حيث بلغت إصدارات السندات الأوروبية «يوروبوند» نحو 14 مليار دولار خلال عام 2025.
وأضاف التقرير أن الإصدارات واصلت تسجيل مستويات مهمة مع إضافة نحو 5.5 مليار دولار خلال شهري يناير وفبراير 2026، بالتزامن مع انخفاض مؤشرات المخاطر السيادية بعد تنفيذ مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية.
ويعكس ذلك تحسنا نسبيا في نظرة المستثمرين تجاه بعض الاقتصادات الإفريقية، خاصة الدول التي استطاعت تحقيق تقدم في ضبط المالية العامة وإدارة أسواق الصرف والسيطرة على التضخم، إلا أن استمرار هذا الاتجاه يظل مرتبطا بتطورات الأسواق العالمية وتكلفة الاقتراض ومدى قدرة الحكومات على مواصلة الإصلاحات.
تحويلات العاملين بالخارج تدعم الاقتصادات
ولم تقتصر مصادر المرونة الاقتصادية على التجارة والاستثمار والإصلاحات الحكومية، إذ لعبت تحويلات العاملين بالخارج دورا مهما في دعم اقتصادات رئيسية داخل القارة، خاصة في دول مثل نيجيريا وإثيوبيا وكينيا، حيث ساهمت التدفقات المالية من الجاليات في دعم دخول الأسر وتعزيز الاستقرار النسبي للحساب الجاري.
وتوفر تحويلات العاملين بالخارج مصدرا مهما للعملة الأجنبية بالنسبة للعديد من الدول الإفريقية، كما تساعد الأسر على مواجهة الضغوط الاقتصادية وتلبية احتياجاتها الأساسية، ولذلك تمثل هذه التدفقات عاملا داعما للاقتصادات في الفترات التي تتراجع فيها تدفقات الاستثمار أو تزداد فيها صعوبة الحصول على التمويل الخارجي.
وبحسب قراءة التقرير، فإن استمرار قوة هذه التحويلات وفر حاجزا جزئيا أمام تأثير تشدد شروط التمويل الخارجي، وساعد بعض الاقتصادات على الحفاظ على مستوى من التدفقات النقدية التي تدعم الاستهلاك والاستقرار المالي وتقلل من حدة الضغوط الخارجية.
مرونة إفريقية في مواجهة الصدمات
وتشير مجمل المؤشرات التي رصدها «أفريكسيم بنك» إلى أن عددا من الاقتصادات الإفريقية تمكن من بناء قدر من المرونة الاقتصادية عبر مزيج من الإصلاحات الداخلية والظروف المواتية في أسواق السلع وتدفقات تحويلات العاملين بالخارج، وهو ما ساعدها على امتصاص جانب من تأثيرات التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الاقتصادات الإفريقية لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بتقلب أسعار السلع الأساسية، وتكاليف الاقتراض العالمية، وتطورات أسواق العملات، إضافة إلى المخاطر الجيوسياسية التي يمكن أن تؤثر في التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، ما يجعل استمرار الإصلاحات الاقتصادية ضرورة للحفاظ على المكتسبات الحالية.
ويؤكد التقرير في مجمله أن تعزيز النمو المستدام في إفريقيا يتطلب الاستمرار في تطوير أسواق الصرف، وتحسين إدارة المالية العامة، وتنويع مصادر الإيرادات والإنتاج، وتعزيز الاستثمار في القطاعات القادرة على توفير فرص العمل وزيادة القيمة المضافة، إلى جانب الحفاظ على استقرار الأسعار وتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية.
وتكشف هذه التطورات عن قدرة متزايدة لدى عدد من الاقتصادات الإفريقية على التعامل مع المتغيرات الدولية، إلا أن الحفاظ على هذه المرونة يتوقف على استمرار الإصلاحات وتحسين بيئة الاستثمار وتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد المفرط على سلعة أو مصدر واحد للإيرادات، بما يعزز قدرة القارة على تحقيق نمو أكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.