هل تكذب إدارة ترامب بشأن خسائر حرب إيران؟ روايات متضاربة تضع البيت الأبيض تحت المجهر
مع دخول الحرب الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة لا تخلو من التعقيد، تتزايد التساؤلات داخل الولايات المتحدة حول مدى دقة الرواية التي تقدمها إدارة الرئيس دونالد ترامب بشأن نتائج العمليات العسكرية. ففي الوقت الذي يواصل فيه الرئيس التأكيد أن الضربات "حققت أهدافها" وألحقت بإيران خسائر ساحقة، تكشف تقارير إعلامية وتحليلات استخباراتية واستطلاعات رأي عن فجوة متنامية بين الخطاب الرسمي والوقائع التي يراها الأمريكيون على الأرض. ولم يعد الجدل مقتصرا على حجم الخسائر الإيرانية، بل امتد إلى أعداد الضحايا الأمريكيين، والأهداف الحقيقية للحرب، وما إذا كانت الإدارة تقدم صورة كاملة للرأي العام أم تكتفي بإبراز ما يخدم رسالتها السياسية.
نيويورك تايمز: روايات متغيرة وأسئلة بلا إجابات
ركزت تقارير وتحليلات نيويورك تايمز على أن التبريرات الرسمية للحرب تغيرت أكثر من مرة؛ فمرة قيل إن الهدف منع تهديد وشيك، ثم أصبح القضاء على البرنامج الصاروخي الإيراني، ثم منع امتلاك سلاح نووي، قبل أن تظهر تصريحات تتحدث عن تغيير سلوك النظام أو حتى إسقاطه. وترى الصحيفة أن هذا التبدل في المبررات جعل كثيرًا من الخبراء وأعضاء الكونغرس يطالبون بتفسير واضح لما تعتبره الإدارة "انتصارًا". كما سلطت الضوء على أن استمرار الهجمات المتبادلة بعد إعلان نجاح العمليات يثير تساؤلات حول مدى تحقق الأهداف المعلنة، وما إذا كانت الإدارة تبالغ في تقييم نتائجها العسكرية.
أرقام الضحايا... لماذا تغيرت؟
زاد الجدل بعدما كشفت صحيفة واشنطن بوست أن وزارة الدفاع الأمريكية، البنتاجون، أعادت تصنيف بعض قتلى وجرحى وضحايا الحرب ضمن فئة جديدة للعمليات الخارجية، وهو ما أدى إلى انخفاض العدد الرسمي المعلن لضحايا الحرب على إيران، رغم عدم تغير الوقائع الميدانية نفسها.
وأثار هذا الإجراء انتقادات من مراقبين رأوا أن إعادة التصنيف قد تربك الرأي العام وتضعف الشفافية، بينما قالت وزارة الدفاع إن الأمر يتعلق بإجراءات إدارية وتنظيمية. ويؤكد خبراء أن مثل هذه الخطوات، حتى إن كانت ذات طابع بيروقراطي، تمنح منتقدي الإدارة مساحة أوسع للتشكيك في مصداقية البيانات الرسمية خلال الحروب.
الأمريكيون لا يقتنعون بالرواية الرسمية
الانعكاس الأوضح لهذا الجدل ظهر في استطلاع إيبسوس، إذ كشف أن نحو ثلث الأمريكيين فقط يؤيدون استمرار الحرب، بينما قال نحو 69% إن الرئيس ترامب لم يشرح أهدافها بصورة واضحة، بما في ذلك نسبة كبيرة من الجمهوريين أنفسهم. ويشير هذا الرقم إلى أن المشكلة لم تعد تتعلق بتأييد الحرب أو رفضها فقط، وإنما بغياب رواية استراتيجية مقنعة تفسر للمواطن الأمريكي لماذا تستمر العمليات وما الذي يعد نجاحًا يمكن قياسه. ويرى محللون أن هذا الغموض قد يتحول إلى عبء سياسي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، خاصة إذا استمرت الخسائر الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة.
الحقيقة بين الدعاية والسياسة
حتى الآن لا توجد أدلة قاطعة تثبت أن إدارة ترامب تعمدت الكذب بشأن خسائر الحرب، لكن المؤكد أن الفجوة بين التصريحات الرسمية والتقارير المستقلة أصبحت أوسع من أي وقت مضى. وبينما تؤكد الإدارة أنها حققت إنجازات عسكرية مهمة، ترى مؤسسات بحثية أن تعدد الروايات، وتغيير الأهداف المعلنة، والخلاف حول أرقام الضحايا، كلها عوامل تجعل الحرب معركة على السردية بقدر ما هي معركة في الميدان.
قد لا يكون السؤال الأهم هو حجم الخسائر الفعلية، بل ما إذا كان المواطن الأمريكي يثق في الرواية التي تقدمها حكومته عنها، لأن الحروب الحديثة تحسم أحيانا في حلبة الثقة قبل أن تحسم في ميدان القتال.
لورانس أودونيل: ترامب "أسوأ مفاوض في تاريخ أمريكا" وحرب إيران تكشف تناقضات روايته
شن الإعلامي الأمريكي لورانس أودونيل هجوما حادًا على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واصفا إياه بأنه "أسوأ مفاوض في تاريخ الحكومة الأمريكية"، على خلفية إدارته للحرب المستمرة مع إيران. وقال مقدم برنامج على قناة MS NOW إن ترامب أخطأ في تقدير مدة الحرب منذ بدايتها، إذ انتقل من الحديث عن حسمها خلال أيام إلى أسابيع، ثم أشهر، بينما دخل النزاع شهره الخامس دون تحقيق نهاية واضحة.
واتهم أودونيل الرئيس الأمريكي بتقديم روايات متناقضة حول مسار المفاوضات والعمليات العسكرية، مستشهدا بمنشورات وتصريحات قال إنها عكست تغيرا حادا بين التهديد بتدمير واسع لإيران والدعوة بعد ساعات فقط إلى تعليق القصف وإعطاء فرصة للمفاوضات. كما انتقد تصريحات ترامب الأخيرة التي هدد فيها بتدمير الجسور ومحطات الكهرباء الإيرانية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، معتبرًا أن إطلاق مثل هذه التهديدات علنًا يقوض أي عملية تفاوضية حقيقية.
وذهب أودونيل إلى أن ترامب لم يحدد حتى الجهة التي يتفاوض معها، وهو ما اعتبره دليلا إضافيا على غياب الوضوح في الرواية الرسمية. كما اتهم شريحة من أنصار ترامب بتصديق وعوده السابقة بإنهاء الحروب وعدم إشعال نزاعات جديدة، رغم استمرار الحرب وتبدل خطاب الإدارة بشأنها. ويعكس هذا السجال تصاعد الانقسام داخل الولايات المتحدة حول أداء الإدارة في حرب إيران، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن أهداف الصراع ومآلاته.