الأحد 26 يوليو 2026 الموافق 12 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

شرط ترامب الثقيل قد يحول الاتفاق النووي السعودي إلى فرصة ذهبية للصين وروسيا

الرئيس نيوز

نشرت مجلة نيوزويك مقالا للكاتب الأمريكي توم أوكونور، رصد فيه تحولات اتفاق نووي مدني بين الولايات المتحدة والسعودية من خانة الإنجاز الدبلوماسي إلى دائرة التجاذب السياسي، في غضون أقل من 24 ساعة. فالاتفاق الذي كان ينظر إليه باعتباره خطوة مهمة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض، وجد نفسه فجأة مرتبطًا بملف أكثر حساسية هو ملف تطبيع العلاقات السعودية مع إسرائيل والانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن بوضوح أن الاتفاق النووي مشروط بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام، في خطوة تضع الرياض أمام معادلة صعبة. فالمملكة تريد تطوير برنامج نووي مدني متقدم، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة للتنازل عن شروطها السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وبينما تتصاعد الضغوط، تبرز الصين وروسيا باعتبارهما المستفيدين المحتملين من أي تعثر في المسار الأمريكي.

اتفاق نووي يصطدم بالسياسة

في الأسبوع الماضي، وقع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان اتفاقًا من نوع "123"، في خطوة تفتح الطريق أمام الشركات الأمريكية للمشاركة في تطوير مفاعلات نووية تجارية داخل المملكة.

وكان الاتفاق يحمل مكاسب للطرفين. بالنسبة إلى واشنطن، يمثل فرصة لتعزيز حضورها في سوق الطاقة النووية السعودي، وترسيخ نفوذها في واحدة من أكثر المناطق أهمية استراتيجيًا في العالم. أما الرياض، فتنظر إلى الطاقة النووية باعتبارها جزءًا من خطتها لتنويع الاقتصاد وتعزيز أمن الطاقة في إطار "رؤية 2030". لكن الاتفاق لم يلبث أن دخل منطقة سياسية شديدة التعقيد.

ففي اليوم التالي، أعلن ترامب أن إقرار الاتفاق مرتبط "بالكامل" بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام. وسرعان ما أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت الموقف نفسه، لتصبح الصفقة النووية فجأة جزءا من صفقة سياسية أكبر تتجاوز حدود الطاقة والتكنولوجيا.

من جانبها، تجنبا الرياض الدخول في مواجهة علنية، لكن موقفها التقليدي من التطبيع معروف. فالسعودية طالما ربطت أي اتفاق مع إسرائيل بإحراز تقدم حقيقي نحو إقامة دولة فلسطينية.

الرياض ترفض المقايضة السهلة

وذكر محمد الصبان، المستشار السابق لوزير الطاقة السعودي، في تصريحات لمجلة نيوزويك، أن التطبيع، من وجهة نظر الرياض، يجب أن يرتبط باعتراف بدولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقًا لمبادرة السلام العربية.

هذه المواقف تجعل الشرط الأمريكي الجديد شديد الصعوبة بالنسبة إلى القيادة السعودية، خصوصًا في ظل غياب مسار سياسي واضح للقضية الفلسطينية.

ووفقا المجلة، يرى الدبلوماسي السعودي السابق، سعد عبدالله الحامد، أن ربط الملف النووي بالتطبيع قد يؤدي إلى نتيجة عكسية. فبدلًا من دفع الرياض نحو واشنطن، يمكن أن يشجعها على توسيع خياراتها الدولية، والبحث عن شركاء آخرين قادرين على تلبية احتياجاتها النووية والاستراتيجية. وهنا تحديدًا تظهر الصين وروسيا في المشهد.

بكين وموسكو تنتظران الفرصة

وأشارت المجلة إلى أن السعودية لم تبدأ علاقاتها النووية مع الصين وروسيا اليوم. فمنذ سنوات، تعمل المملكة على بناء قنوات تعاون مع القوتين، في وقت تسعى فيه إلى تطوير قدراتها في مجال الطاقة النووية.

وشاركت الصين في جهود مرتبطة باستكشاف اليورانيوم داخل السعودية، كما طورت علاقاتها النووية مع المملكة، في حين أنشأت الشركة النووية الوطنية الصينية حضورًا إقليميًا في الرياض.

أما روسيا، فقد وقعت اتفاق تعاون نووي مع السعودية عام 2015، وطرحت شركة «روساتوم» نفسها في السابق باعتبارها منافسًا محتملًا في أي مشروع لبناء مفاعلات نووية تجارية داخل المملكة. ولهذا، فإن أي تأخير طويل في تنفيذ الاتفاق الأمريكي قد يمنح بكين وموسكو فرصة لتوسيع نفوذهما في سوق استراتيجية واعدة.

ورجحت المجلة أن المسألة هنا لا تتعلق فقط ببناء مفاعل نووي. إنها معركة على النفوذ، والتكنولوجيا، والعقود، والشراكات طويلة الأمد.

من الضغوط السياسية إلى سباق استراتيجي

وحذرت نيوزويك من أن استمرار الجمود قد يدفع الرياض إلى مسار تدريجي يبدأ بتعزيز قدراتها النووية المدنية، ثم توسيع علاقاتها الدفاعية مع الصين وروسيا ودول آسيوية أخرى.

وقد يشمل ذلك الحصول على أنظمة دفاع متقدمة وتكنولوجيا عسكرية متطورة، بما يفتح الباب أمام تحول أوسع في موازين القوى الإقليمية.

أما السيناريو الأكثر خطورة، فهو أن يؤدي انتشار البرامج النووية المدنية في المنطقة، إلى جانب تصاعد التوترات الأمنية، إلى سباق نووي متعدد الأطراف.

هذا الاحتمال لا يزال بعيدًا، ولا توجد مؤشرات مؤكدة على أن السعودية تتجه حاليًا إلى تطوير سلاح نووي. لكن المخاوف الاستراتيجية في واشنطن تتمحور تحديدًا حول منع أي مسار يمكن أن يقود مستقبلًا إلى هذا الاتجاه.

هل ستتجه السعودية فعلًا إلى الشرق؟

رغم كل هذه التحذيرات، يرى بعض الخبراء أن الحديث عن تحول سعودي كامل نحو الصين وروسيا قد يكون مبالغًا فيه.

ويعتقد جاري سامور، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة برانديز والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي، أن التلويح بالبدائل قد يكون في الأساس أداة تفاوضية تستخدمها الرياض للضغط على واشنطن. فالصين وروسيا تستطيعان المشاركة في بناء المفاعلات النووية، لكن الولايات المتحدة تظل شريكًا أمنيًا رئيسيًا للسعودية، كما أن التعاون مع واشنطن يمنح الرياض مزايا استراتيجية واسعة تتجاوز المجال النووي.

ومن هذا المنظور، قد لا تكون المملكة راغبة في استبدال الولايات المتحدة، بل في إجبارها على تقديم شروط أفضل.

معركة أكبر من مفاعل

وتكشف الأزمة عن معادلة أكبر بكثير من اتفاق نووي أو صفقة تطبيع. فمن جهة، ترغب السعودية في الاحتفاظ بعلاقاتها الأمنية مع واشنطن، لكنها، من جهة أخرى لا تريد أن تكون خياراتها الاستراتيجية رهينة لشروط سياسية قد لا تتوافق مع أولوياتها ولا تفضل الهرولة نحو خيارات وشروط البيت الأبيض. 

أما الولايات المتحدة، فمن جانبها، تريد استخدام الاتفاق النووي لتعزيز نفوذها ودفع الرياض نحو إسرائيل، لكنها تخاطر بأن يؤدي الضغط الزائد إلى منح منافسيها فرصة ثمينة.

لكن الصين وروسيا لا تحتاجان بالضرورة إلى إقناع السعودية بقطع علاقاتها مع واشنطن. يكفيهما أن تتعثر الصفقة الأمريكية لأي سبب كان، وأن تفتح الرياض الباب أمام بدائل أخرى.