حذر من "ثغرة أمنية» استهدفت المرشد.. عراقجي يكشف أخطر أسرار الحرب على إيران وموقف طهران من التخصيب للمفاوضات
في أول رواية تفصيلية يقدمها مسؤول إيراني رفيع عن كواليس الحرب الأخيرة، رسم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي صورة معقدة للصراع، جمعت بين اختراقات أمنية داخل مؤسسات صنع القرار، وحسابات عسكرية وسياسية سبقت اندلاع المواجهة، إضافة إلى خلافات عميقة حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
خلال مقابلة تلفزيونية ضمن برنامج "حكاية الحرب"، كشف عراقجي أن استهداف عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين في بداية الحرب لم يكن نتيجة ضربات عشوائية، بل جاء بعد حصول الطرف الآخر على معلومات دقيقة حول توقيت ومواقع اجتماعات حساسة، مشيرًا إلى وجود "ثغرة أمنية" قال إنها ربما لا تزال قائمة، وفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.
اجتماعات سرية تحولت إلى أهداف عسكرية
قال عراقجي إن أحد أخطر الهجمات وقع في اليوم الأول من الحرب، عندما تعرض مقر القيادة للاستهداف أثناء اجتماعات ضمت شخصيات بارزة في النظام الإيراني. وأوضح أنه كان موجودًا في اجتماع مع علي أصغر حجازي، المستشار المقرب من المرشد الإيراني، صباح ذلك اليوم، حيث قدم تقريرًا عن مسار المفاوضات النووية، قبل أن يتحول الاجتماع نفسه إلى هدف عسكري.
وأشار إلى أن مكتب حجازي كان ضمن المواقع المستهدفة، لكنه تمكن من الخروج سالمًا، بينما كان اجتماع آخر برئاسة علي شمخاني، الذي ضم عددًا من القادة العسكريين، إذ قتل شمخاني والحاضرون معه في القصف.
وأضاف أن اجتماعًا للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية نُقل بشكل غير معتاد إلى مقر القيادة في ذلك اليوم، وهو أمر قال إنه لا يعرف سبب حدوثه، لكنه اعتبر أن معرفة توقيت هذه الاجتماعات ومواقعها تشير إلى وجود اختراق أمني.
وبحسب عراقجي، لم تقتصر الاستهدافات على مقر القيادة، بل شملت أيضًا مواقع مرتبطة بمسؤولين ومستشارين عسكريين، مؤكدًا أن حجم المعلومات التي امتلكها الطرف الآخر أثار تساؤلات حول آليات حماية القرار داخل النظام.
هرمز والخيار العسكري قبل اندلاع الحرب
كشف وزير الخارجية الإيراني أن طهران كانت قد اتخذت قرارًا مسبقًا بإغلاق مضيق هرمز في حال استهداف القيادة الإيرانية، في إشارة إلى استعداد النظام لاستخدام أوراق استراتيجية في حال تعرضه لضربة مباشرة.
ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، ما يجعل أي تهديد بإغلاقه ذا تأثير يتجاوز حدود المنطقة.
لكن تصريحات عراقجي عكست أيضًا حجم القلق داخل القيادة الإيرانية من استمرار التهديدات العسكرية، خصوصًا بعد استهداف شخصيات كانت تشارك بشكل مباشر في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية.
إيران تدافع عن خيار التفاوض
في الجانب السياسي، رفض عراقجي الرواية التي تحمل المفاوضات مسؤولية اندلاع الحرب، مؤكدًا أن قرار الدخول في الحوار مع الولايات المتحدة لم يكن قرارًا فرديًا، بل جاء ضمن آلية جماعية عبر مؤسسات صنع القرار.
وأوضح أن لجنة متخصصة شكلت لمتابعة الملف النووي والمفاوضات، وأن قراراتها كانت تمر عبر الإجراءات نفسها التي تعتمدها المؤسسات الأمنية العليا. ودافع عن التفاوض باعتباره محاولة لتجنب الحرب، قائلًا إن طهران كانت تسعى إلى اختبار المسار الدبلوماسي وإثبات أنها لم تغلق الباب أمام الحلول السياسية.
ورأى أن الطرف الآخر اتخذ قرار الحرب بعدما اعتبر أن إيران فقدت جزءًا من قدرتها على الردع الإقليمي، وأنها قد تتجه إلى تعزيز قدراتها النووية كبديل.
التخصيب النووي بين الرفض والضغوط
كان ملف تخصيب اليورانيوم محوريًا في رواية عراقجي، إذ أكد أن إيران رفضت مطلب "التخصيب الصفري" الذي طرح خلال المفاوضات، كما رفضت لاحقًا مقترحًا بتعليق التخصيب. وبرر هذا الموقف بالقول إن قبول التعليق كان سيخلق سابقة تسمح بفرض ضغوط عسكرية ثم سياسية على إيران، بحيث تصبح التنازلات نتيجة للتهديد لا نتيجة للتفاوض.
وأشار إلى أن المفاوضات التي جرت في جنيف انهارت بعد رفض طهران تعليق التخصيب، رغم استمرار المحادثات الفنية، قبل أن تتغير الأجواء لاحقًا. كما اعتبر أن القضية النووية لم تكن سوى ذريعة بالنسبة إلى إسرائيل، وأن الهدف الحقيقي كان السعي إلى تغيير النظام الإيراني.
رواية واحدة تكشف صراعًا أوسع
تعكس تصريحات عراقجي محاولة إيرانية لإعادة تفسير أسباب الحرب من منظور طهران، عبر التركيز على عاملين رئيسيين: وجود اختراق أمني داخلي سمح باستهداف القيادة، واعتقاد بأن الصراع لم يكن مرتبطًا فقط بالملف النووي بل بمستقبل النظام ودوره الإقليمي.
وفي المقابل، تكشف هذه الرواية حجم التعقيدات التي أحاطت بالمفاوضات، حيث اصطدمت محاولات التوصل إلى تفاهمات سياسية بخلافات جوهرية حول حدود البرنامج النووي الإيراني ومستوى الضمانات المطلوبة لمنع التصعيد.