على رأسها ميتا.. توسع نفوذ شركات التكنولوجيا العملاقة في السياسة والإعلام والثقافة
في مشهد بدا وكأنه مقتبس من رواية تشاؤمية عن المستقبل، جلست المديرة السابقة في فيسبوك، سارة وين ويليامز، على منصة مهرجان هاي الأدبي في ويلز أمام مئات الحاضرين، لكنها لم تستطع النطق بكلمة واحدة. ولم يكن الصمت خيارا شخصيا، ولم يكن جزءا من العرض. كان نتيجة مباشرة لمعركة قانونية مع شركة ميتا، المالكة لفيسبوك، التي نجحت في فرض قيود مؤقتة تمنعها من الترويج لمذكراتها المثيرة للجدل أو التحدث علنا عن الشركة التي عملت في أعلى هرمها الإداري لسنوات، وفقا لمعهد رويترز للصحافة.
لكن ما جرى في ذلك اليوم تحول من نزاع بين موظفة سابقة وشركة إلى صورة مكثفة لعصر جديد باتت فيه شركات التكنولوجيا الكبرى تمارس نفوذا سياسيا وإعلاميا وثقافيا يضاهي نفوذ الدول، بل ويتجاوزه أحيانا.
من منصات تواصل إلى مراكز قوة عالمية
قبل عقدين فقط، كانت شركات التكنولوجيا تقدم نفسها باعتبارها أدوات محايدة لربط الناس ببعضهم البعض. أما اليوم، فقد أصبحت هذه الشركات تتحكم في تدفق الأخبار، وتحدد ما يراه مليارات البشر يوميا، وتؤثر في نتائج الانتخابات، وتوجه النقاشات العامة، وتعيد تشكيل الثقافة الشعبية في أنحاء العالم.
وفي قلب هذا التحول تقف ميتا، الشركة التي أسسها مارك زوكربيرج، والتي تحولت من شبكة اجتماعية جامعية إلى واحدة من أقوى المؤسسات الخاصة على وجه الأرض. فالشركة لا تدير منصة واحدة فقط، بل تمتلك منظومة إعلامية عالمية تضم فيسبوك وإنستغرام وواتساب، وهي منصات يتجاوز عدد مستخدميها مليارات الأشخاص، ما يمنحها قدرة استثنائية على التأثير في الرأي العام العالمي، وفقا لموقع أكسيوس.
انعطافة سياسية نحو اليمين
خلال السنوات الأخيرة، بدأت ميتا تعيد رسم موقعها السياسي بصورة أكثر وضوحا. فبعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أعلنت الشركة إنهاء برنامج التحقق من الحقائق واستبداله بنظام "ملاحظات المجتمع" المستوحى من منصة إكس. وقدمت الخطوة باعتبارها دفاعا عن حرية التعبير ومواجهة للرقابة، لكن منتقدين رأوا فيها تنازلا سياسيا واضحا أمام التيارات المحافظة.
وتزامن ذلك مع تعيين جويل كابلان، المعروف بعلاقاته الوثيقة بالحزب الجمهوري، مسؤولا عن السياسات العامة في الشركة، خلفا لنيك كليغ.
كما ألغت الشركة برامج التنوع والشمول التي كانت تروج لها لسنوات، في خطوة اعتبرها معارضون مؤشرا على تغير عميق في أولوياتها السياسية والثقافية.
كتاب يزلزل وادي السيليكون
وسط هذه التحولات، أصدرت سارة وين ويليامز كتابها "أشخاص مهملون"، وهو شهادة من الداخل عن سنوات قضتها في المكاتب العليا لفيسبوك خلال أكثر مراحله حساسية. يذكر أن الكتاب لا يركز فقط على الملفات السياسية أو التجارية، بل يكشف أيضا طبيعة الثقافة الداخلية للشركة، وشخصيات قادتها، وطريقة اتخاذ القرارات التي أثرت لاحقا في حياة مليارات البشر.
وتصف الكاتبة كيف تحولت الشركة تدريجيا من مشروع تقني واعد إلى مؤسسة تمتلك نفوذا عالميا يفوق قدرة كثير من الحكومات على التأثير. ورغم أن بعض التسريبات المتعلقة بعلاقة الشركة بالصين تصدرت العناوين، فإن أكثر ما أثار القلق داخل الشركة كان الصورة الإنسانية التي رسمها الكتاب لكبار المسؤولين التنفيذيين بعيدا عن الخطاب الرسمي المصقول، وفقا لبي بي سي نيوز.
الاستعانة بالمحامين
ورد فعل ميتا لم يقتصر على النفي أو الدفاع الإعلامي. فقد لجأت الشركة إلى إجراءات قانونية مكثفة أدت إلى فرض قيود مؤقتة على الكاتبة، ثم ذهبت أبعد من ذلك عندما اعترضت على مشاركتها في مهرجان هاي الأدبي. واعتبرت الشركة أن مجرد ظهورها في فعالية يباع فيها كتابها قد يشكل مخالفة قانونية، حتى لو لم تتحدث عن الكتاب نفسه. وهكذا وجدت وين ويليامز نفسها على المسرح ممنوعة من الكلام.
أما أستاذ القانون الأمريكي والخبير في مكافحة الاحتكار تيم وو، الذي شاركها المنصة، فقد وصف المشهد بأنه مثال حي على الرقابة الحديثة، مؤكدا أن بعض أخطر أشكال إساءة استخدام السلطة في عصرنا لم تعد تصدر عن الحكومات، بل عن شركات خاصة تمتلك نفوذا عابرا للحدود.
الخوارزميات تفرض واقعا تفضيليا لها أحيانا
وتكمن المشكلة الأعمق في أن نفوذ هذه الشركات لم يعد مرئيا دائما. ففي الماضي كانت السلطة تمارس عبر القوانين أو الرقابة المباشرة. أما اليوم، فإن الخوارزميات هي التي تقرر أي قصة تنتشر وأي قصة تختفي، وأي قضية تصبح قضية رأي عام وأي قضية تدفن في زوايا الإنترنت.
وحذر باحثون في الإعلام من أن الخطر لا يكمن في فرض رأي معين بالقوة، بل في بناء بيئة معلوماتية تجعل المستخدم يعتقد أنه يتخذ خياراته بحرية بينما تكون الخوارزميات قد حددت مسبقا ما يمكنه رؤيته وما لا يمكنه رؤيته. ومع الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في إدارة المحتوى وتوصية الأخبار، تتضاعف أهمية هذه المخاوف عاما بعد آخر.
المال والنفوذ وسن القوانين
نفوذ عمالقة التكنولوجيا لا يتوقف عند حدود المنصات الرقمية. ففي الولايات المتحدة، ضخت شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية عشرات الملايين من الدولارات في أنشطة الضغط السياسي والانتخابي خلال عام 2025 وحده.
وتهدف هذه الاستثمارات إلى التأثير في صياغة القوانين والتنظيمات التي تحكم مستقبل الذكاء الاصطناعي والخصوصية والمنافسة الرقمية.
ويرى منتقدون أن هذه الشركات أصبحت تمتلك قدرة استثنائية على التأثير في التشريعات التي يفترض أن تنظم عملها، وهو ما يثير أسئلة جوهرية حول توازن القوى داخل الديمقراطيات الحديثة.
السياسيون لم يعودوا بحاجة إلى الإعلام
بالتوازي مع ذلك، يتراجع دور وسائل الإعلام التقليدية بصورة متسارعة. فبفضل المنصات الرقمية، أصبح بإمكان السياسيين ورجال الأعمال والمشاهير مخاطبة جماهيرهم مباشرة عبر البودكاست أو يوتيوب أو شبكات التواصل الاجتماعي، متجاوزين الصحافة التقليدية التي كانت تمارس دور الوسيط والمحاسب.