جولة الانتخابات الأخيرة تعلن نهاية عصر الحزبين في بريطانيا
شكلت الانتخابات المحلية والإقليمية التي شهدتها المملكة المتحدة في الأسبوع الماضي، منعطفًا تاريخيًا يتوقع المحللون أن يظل محفورًا في الذاكرة السياسية البريطانية لعقود. فلم تكن النتائج مجرد تغيير في موازين القوى المحلية، بل كانت إعلانًا رسميًا عن تصدع نظام الحزبين التقليديين؛ العمال والمحافظين، الذي حكم البلاد منذ عقود، ودخول بريطانيا مرحلة "التعددية السياسية" الشاملة. ووفقًا لصحيفة "مترو يو كيه"، فإن المشهد بات يعكس نمطًا غير مسبوق، حيث أصبحت الأحزاب تعبر عن "أقليات سياسية" متفرقة بدلًا من الكتل الكبرى المعتادة.
انهيار حصون حزب العمال وتصاعد الضغوط على ستارمر
مني حزب العمال الحاكم بهزيمة وصفها المراقبون بـ "المدوية" و"التاريخية". وبحسب تقرير لصحيفة "الإندبندنت"، فإن الحزب فقد أكثر من 1400 مقعد بلدي في استحقاق شمل 5 آلاف مقعد. هذه الخسارة لم تكن مجرد أرقام، بل كانت زلزالًا ديموغرافيًا واقتصاديًا؛ إذ تراجع الحزب إلى المرتبة الثانية في إنجلترا واسكتلندا، والأدهى من ذلك هو مغادرته السلطة في ويلز لأول مرة منذ قرن كامل، ليحل في المرتبة الثالثة خلف حزب "بليد" الويلزي وحزب "ريفورم".

أدت هذه النتائج إلى انفجار غضب داخلي في مقر الحكومة، "10 داوننج ستريت"، حيث تعالت أصوات عشرات النواب العماليين بمطالبة رئيس الوزراء كير ستارمر بالاستقالة على الفور. إلا أن ستارمر، الذي يواجه الآن أصعب اختبار في مسيرته، رفض التنحي مستغلًا عدم وجود اتفاق على بديل واضح، وخشية الحزب من تكرار "سيناريو المحافظين" الذين استبدلوا ثلاثة قادة في عامين وانتهى بهم الأمر إلى هزيمة ساحقة. وفي محاولة لامتصاص الغضب وتعزيز جبهته، استعان ستارمر بالحرس القديم، فعيّن رئيس الوزراء الأسبق جوردن براون مبعوثًا ماليًا، وهارييت هارمان مستشارة لشؤون المرأة.
في مقال له بصحيفة "الجارديان"، وصف ستارمر النتائج بـ "المؤلمة" و"التشرذم السياسي"، معترفًا بأنها نتاج إحباط الناخبين من الوضع الراهن. ورغم إصراره على البقاء، تشير التقارير إلى احتمال إجرائه تعديلًا وزاريًا واسعًا في محاولة يائسة لاستعادة المبادرة السياسية.
صعود "ريفورم" والتحول نحو اليمين الشعبوي
كان الرابح الأكبر في هذه الجولة هو حزب "ريفورم" (الإصلاح) بقيادة نايجل فاراج. فقد حقق الحزب فوزًا مؤزرًا بحصده أكثر من 1450 مقعدًا بلديًا، متموضعًا كـ "حزب وطني" يمتد نفوذه من جنوب إنجلترا إلى عمق اسكتلندا وويلز. ولم تعد قاعدة الحزب محصورة في اليمين التقليدي، بل نجح في جذب أصوات مناطق كانت تاريخيًا تُعرف بـ "الجدار الأحمر" الموالي لليسار والعمال.

في لندن، لم تكن العاصمة بمنأى عن هذا الزحف، إذ خسر العمال مقاعد عديدة لصالح "ريفورم"، ما دفع العمدة صادق خان لإطلاق صرخة تحذير لحزبه من مغبة تجاهل "حالة الغضب الشعبي". وفي البرلمانات الإقليمية، حصد "ريفورم" 17 مقعدًا في اسكتلندا و34 عضوًا في ويلز، ليصبح "بيضة القبان" في أي تحالف حكومي مستقبلي أو جبهة معارضة شرسة لا يمكن تجاوزها.
"الخضر" و"الليبراليون": قوى لا يستهان بها
على الجانب الآخر من الطيف السياسي، سطع نجم حزب "الخضر" بشكل غير مسبوق، حيث أضاف أكثر من 400 مقعد بلدي ليصل إجمالي مقاعده إلى 540 مقعدًا. وأعلن زعيم الحزب زاك بولانسكي بوضوح أن هذه النتائج هي "شهادة وفاة عهد الحزبين"، مشيرًا إلى أن الناخب البريطاني أصبح يبحث عن بدائل جذرية للقضايا البيئية والاجتماعية. وفي اسكتلندا، بات "الخضر" الشريك الأقرب للحزب القومي الاسكتلندي (SNP) لتشكيل حكومة ائتلافية بعد فوزهم بـ 15 مقعدًا.
أما حزب "الليبراليين الديمقراطيين" بقيادة إيد ديفي، فقد أثبت صمود "الوسطية" رغم الاستقطاب الحاد. حل الحزب ثالثًا في الانتخابات البلدية بأكثر من 840 مقعدًا، محققًا انتصارات نوعية في إنجلترا واسكتلندا وويلز. ودافع ديفي عن نتائج حزبه باعتبارها "الحصن المنيع" ضد التطرف اليميني واليساري، وإن كانت هناك تساؤلات داخلية حول سبب عدم قدرتهم على تحقيق مكاسب أكبر تضاهي انفجار شعبية "ريفورم".
المحافظون: محاولة للتمسك بالأمل
من جانبها، حاولت كيمي بادينوك، قائدة المعارضة المحافظة، قراءة النتائج بنظرة تفاؤلية رغم الخسائر العامة. واعتبرت أن صمود الحزب في معاقله التقليدية واختراقه لبعض دوائر العمال في لندن يمثل "توقفًا للنزيف" الذي بدأ منذ عام 2024. ورأت بادينوك أن الوقت قد حان لإعادة البناء، مشددة على أن بريطانيا لم تعد "أصواتًا مضمونة" لأي طرف، وأن المنافسة باتت مفتوحة على كل الاحتمالات.
رؤية الخبراء: سياسة "الفتات" المجزأة
لخص الأكاديمي السير جون كيرتيس، الخبير في شؤون الانتخابات، المشهد قائلًا إن الصورة بالنسبة لحزب العمال "قاتمة جدًا". وأكد كيرتيس أن أهم دلالة لعام 2026 هي أن "السياسة البريطانية باتت مجزأة"، حيث لم يعد أي حزب يتمتع بدعم كتلة جماهيرية واسعة وشاملة. بدلًا من ذلك، نحن أمام أحزاب تمثل "أقليات" متناثرة، مما يجعل تشكيل حكومات مستقرة في المستقبل أمرًا في غاية الصعوبة.