الجنيه يواجه عاصفة كاملة.. الاقتصاد المصري صامد رغم التداعيات الاقتصادية المدمرة للحرب الإيرانية
بينما تقف منطقة الشرق الأوسط عند مفترق طرق، يجد الاقتصاد المصري نفسه مرة أخرى في مواجهة «عاصفة كاملة» تختبر قدرته على الصمود ومرونة إصلاحاته الهيكلية. وفي قلب هذه المواجهة، يبرز شريانان حيويان يتعرضان لضغوط هائلة هما قناة السويس، التي تمثل الدخل القومي المستدام، وسوق السندات، التي تمثل الجانب الأكثر تقلبًا وخطورة وهو الملف المعروف إعلاميا بـ «الأموال الساخنة».
قناة السويس: نزيف الرسوم وتحديات الملاحة
ووفقا لتحليل معهد الشرق الأوسط في واشنطن، لم يكد شريان القناة يتنفس الصعداء مع بداية عام 2026، حيث بدأت حركة المرور في الانتعاش مسجلة إيرادات بلغت 449 مليون دولار في الشهر الأول، حتى اندلع النزاع الإقليمي الأخير الذي أدى إلى هبوط حاد في أحجام الملاحة خلال أيام معدودة. ويرجع الخبراء هذا التراجع المروع إلى تصاعد المخاطر الأمنية وارتفاع أقساط التأمين البحري المرتبطة باحتمال وقوع هجمات من جماعة الحوثي في اليمن، إن هذا النزيف في إيرادات القناة يضع الموازنة العامة أمام تحدي نقص العملة الصعبة، لكنه يظل "أهون الشرين" مقارنة بالخطر الكامن في هروب رؤوس الأموال الاستثمارية.
ثغرة "الأموال الساخنة": الدرس الذي لم يستوعب؟
تُعد "الأموال الساخنة"، وهي تدفقات نقدية من مستثمرين غير مقيمين يشترون أذون الخزانة قصيرة الأجل للحصول على عوائد مرتفعة، واحدة من أخطر نقاط الضعف في الهيكل المالي المصري. تتسم هذه الأموال بسلوكها المتقلب؛ فهي تتدفق بسرعة للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة، وتهرب بسرعة أكبر عند أول بادرة اضطراب أمني أو اقتصادي بحثًا عن "الملاذات الآمنة" في الأسواق المتقدمة. وواجهت مصر هذا السيناريو بانتظام "مثير للسأم"؛ ففي عام 2022، ومع الغزو الروسي لأوكرانيا، خرج نحو 20 مليار دولار فجأة، ما أدى إلى تجفيف الاحتياطيات النقدية.
صمود البنوك: وسادة الأمان الجديدة
لحسن الحظ، تظهر معطيات عام 2026 صورة مختلفة جزئيًا؛ فعلى الرغم من خروج نحو 10 مليارات دولار منذ اندلاع الحرب الحالية، إلا أن النظام المصرفي يبدو أكثر قدرة على امتصاص الصدمة. تمتلك البنوك المصرية حاليًا سيولة من العملات الأجنبية مرتبطة بتدفقات ضخمة سابقة، مما أدى إلى وصول صافي الأصول الأجنبية للقطاع إلى مستوى قياسي بلغ 30 مليار دولار في يناير 2026. هذا الوضع يتناقض جذريًا مع أزمة 2022، حيث كانت البنوك تعاني من عجز في الأصول الأجنبية ونقص حاد في السيولة الصعبة.
سياسات الصرف والتخارج من الاقتصاد
في خطوة جريئة، تواصل الحكومة المصرية التزامها بسعر صرف مدفوع بقوى السوق دون تدخل مباشر لدعم الجنيه أمام الدولار، رغم الضغوط التضخمية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات هيكلية؛ إذ تشير مراجعات صندوق النقد الدولي بلهجة قاتمة إلى عدم حدوث "تخارج ملموس" للدولة من النشاط الاقتصادي خلال الـ 24 شهرًا الماضية، بل وظهور كيانات عسكرية جديدة في السوق. ومع ذلك، يرى مجتمع الأعمال أن الحكومة بدأت تأخذ قضية التخارج بجدية أكبر، نظرًا للتكاليف الباهظة التي تتحملها الخزانة العامة لدعم الشركات الحكومية غير الكفؤة.
استراتيجية الطاقة: التحوط ضد المستقبل
تدرك القاهرة أن أمن الطاقة هو مفتاح الاستقرار، لذا بدأت تحركات استراتيجية مكثفة، على رأسها تأمين إمدادات الغاز المسال، إذ تسعى الحكومة للاستحواذ على 40 شحنة من الغاز المسال لتأمين احتياجات الصيف، مدعومة بتأمين ائتماني من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي بقيمة تزيد عن 2 مليار دولار. هذه الخطوة توفر سلعة حيوية بدلًا من مجرد قروض نقدية تزيد من أعباء الدين الذي يلتهم 64% من الإنفاق في الموازنة المقترحة.
أما فيما يتعلق بالطاقة المتجددة، فتتسارع الخطى للوصول إلى نسبة 42% من توليد الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، مع توقيع 32 اتفاقية لشراء الطاقة من القطاع الخاص بقدرة تقارب 1500 ميجاوات، وعلى صعيد الموارد الإقليمية؛ تضع مصر عينيها على حقول الغاز القبرصية (أفروديت وكرونوس)، بالإضافة إلى الاكتشافات المحلية الجديدة مثل حقل "تمساح".
تغير الخارطة الإقليمية: من المنح إلى الاستثمارات
أدت الضربات التي تلقتها دول الخليج من إيران إلى تصدع "التحالف الخليجي" التقليدي، مما أثر مباشرة على شكل الدعم لمصر. أصبحت دول مثل الإمارات العربية المتحدة تنظر إلى علاقاتها من منظور تجاري بحت، حيث تحول الدعم من "منح ميسرة" إلى استثمارات أجنبية مباشرة (FDI) مرتبطة بالأصول والمشاريع الإنتاجية. هذا التحول يفرض على القاهرة العمل بجهد أكبر لجذب هذه الاستثمارات في ظل منافسة شرسة بين الأسواق الناشئة.
الاقتصاد صمام أمان سياسي
يظل الاقتصاد في مصر هو المحرك الرئيسي للاستقرار السياسي؛ فالتاريخ يثبت أن الاضطرابات السياسية 1977، 2011، 2013 كانت دائمًا مسبوقة بأزمات اقتصادية طاحنة، ومع دخول 1.3 مليون شخص سنويًا إلى سوق العمل، مقابل توفير 500 ألف فرصة عمل فقط، يصبح تمكين القطاع الخاص (الذي يمثل 80% من القوى العاملة) هو المسار الوحيد لضمان الأمن القومي.
تبدو مصر، التي تتأثر تحت وطأة الموجات الارتدادية للصراع الإقليمي، في وضع يسمح لها بتجاوز العاصفة بفضل التخطيط المسبق وبناء مخازن من السيولة الأجنبية، لكن استدامة هذا الصمود تتطلب حتمًا علاج الثغرات الهيكلية المزمنة، وعلى رأسها إدمان "الأموال الساخنة" وتباطؤ التخارج الحكومي من الاقتصاد.