الأحد 03 مايو 2026 الموافق 16 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل

لماذا تتجاهل الصحافة الألمانية مشاجرة ترامب والمستشار ميرتس؟

الرئيس نيوز

في واحدة من أكثر الأزمات حدة في العلاقات الألمانية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، فضلت قطاعات واسعة من الإعلام الألماني التعامل بحذر لافت مع الاشتباك العلني بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس. وبينما تصدرت الأزمة عناوين الصحف الدولية، اكتفت صحف ألمانية كبرى بتغطيات مقتضبة أو تقارير تستند إلى وكالات الأنباء، مع غياب شبه كامل لمقالات الرأي الحادة.

وبدأ التوتر بعدما وصف ميرتس الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بأنها "متهورة"، مستحضرا الدروس من تجربتي العراق وأفغانستان بوصفهما مثالين على فشل استراتيجيات الخروج من الحروب الطويلة. ثم أشار إلى أن إدارة ترامب تتعرض لـ"إهانة" من الجانب الإيراني الذي يرفض إرسال مفاوضيه قبل رفع الحصار البحري عن موانئه.

وكان ترامب قد رد بعنف عبر منصة "تروث سوشيال"، مؤكدا أن ميرتس "لا يعرف ما يتحدث عنه"، ومحذرا من أن امتلاك إيران للسلاح النووي سيجعل العالم رهينة للخطر. ولم يتوقف الهجوم عند المستشار الألماني، بل امتد إلى ألمانيا نفسها بعدما قال إن البلاد "تسير بهذا السوء اقتصاديا وعلى كل الأصعدة".

وسرعان ما تحول التراشق بين ترامب وميرتس إلى ساحة التصعيد السياسي بل وتمتد آثاره إلى ملف أمني بالغ الحساسية بعدما أعلن ترامب أن واشنطن تراجع وجود قواتها العسكرية في ألمانيا. ولم يبق الأمر في إطار التهديدات، إذ تحدث ترامب لاحقا عن تقليص إضافي للقوات بعد سحب آلاف الجنود بالفعل. وتزداد حساسية الخطوة لأن ألمانيا تضم قاعدة رامشتاين الجوية، أهم مركز للقوات الجوية الأمريكية في أوروبا، إضافة إلى عشرات الآلاف من العسكريين الأمريكيين المنتشرين على الأراضي الألمانية.

أمام هذا الضغط، تحركت برلين لاحتواء الأزمة. سارع وزير الخارجية الألماني إلى توضيح أن تصريحات ميرتس كانت تستهدف "السلوك الإيراني" في المفاوضات، بينما شدد المستشار الألماني على متانة الشراكة مع واشنطن وحرص بلاده على التنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة.

لكن هذا التراجع في إطار مناورة اتسمت بالسرعة الخاطفة، كشف حجم المأزق الألماني. فالمستشار ميرتس الذي حاول منذ وصوله إلى المستشارية بناء علاقة مستقرة مع البيت الأبيض، وجد نفسه فجأة في دائرة الاستهداف السياسي والإعلامي من ترامب. بعض الصحف الألمانية رأت أن المستشار انضم إلى قائمة الزعماء الأوروبيين الذين اصطدموا بالرئيس الأمريكي، بينهم إيمانويل ماكرون وكير ستارمر.

وسط هذا المشهد، قدمت صحيفة هاندلسبلات الاقتصادية قراءة مختلفة للأزمة. ورجحت الصحيفة أن الطرفين يعانيان من نقاط ضعف داخلية متشابهة. ترامب يواجه ضغوطا سياسية مع تراجع شعبية الجمهوريين واحتمالات خسارة الكونغرس، بينما يقود ميرتس ائتلافا هشا تتزايد خلافاته الداخلية، في وقت يواصل فيه حزب البديل اليميني صعوده في استطلاعات الرأي.

ورأت الصحيفة أن ميرتس انسجم مع المزاج الأوروبي المتزايد انتقادا لترامب، خصوصا مع المخاوف من أن تؤدي حرب إيران إلى أضرار اقتصادية تتجاوز تداعيات جائحة كورونا والحرب الأوكرانية. ومع ذلك، استبعدت هاندلسبلات حدوث قطيعة حقيقية بين واشنطن وبرلين، معتبرة أن الخلاف سيبقى ضمن حدود التوتر السياسي وتراجع مستوى التنسيق الشخصي بين الزعيمين.

هذا الحذر الإعلامي الألماني لم يكن تعبيرا عن ضعف مهني، بل انعكاسا لحسابات سياسية واستراتيجية شديدة التعقيد. فالعلاقة بين ألمانيا والولايات المتحدة لم تعد مجرد شراكة تقليدية داخل حلف الناتو، بل باتت مرتبطة مباشرة بأمن أوروبا واستقرارها الاقتصادي. ولهذا فضلت مؤسسات إعلامية عديدة تجنب الانخراط في حملة تصعيد مفتوحة ضد واشنطن.

كما أن الانتقادات الأوروبية لترامب لم تقتصر على ألمانيا وحدها، إذ وجهت شخصيات بريطانية بارزة انتقادات لإدارة الحرب الأمريكية على إيران، معتبرة أن التدخل العسكري جرى دون رؤية واضحة للخروج من الأزمة. إلا أن ألمانيا تختلف عن بقية الحلفاء الأوروبيين بسبب اعتمادها الأمني المباشر على الوجود العسكري الأمريكي داخل أراضيها.

وكشف المشهد بأكمله أن صمت غالبية الصحف الألمانية لم يكن حيادا بقدر ما كان تعبيرا عن إدراك عميق لحجم المأزق. فحين يضطر المستشار الألماني نفسه إلى التراجع السريع عن تصريحاته تحت ضغط التهديدات الأمريكية، يصبح من الصعب على الصحافة الاقتصادية والسياسية في برلين أن تتعامل مع الأزمة بمنطق المواجهة المفتوحة. لهذا بدا الصمت أقرب إلى محاولة لاحتواء الأضرار والحفاظ على الحد الأدنى من التوازن في علاقة تتعرض لاختبار غير مسبوق.