السبت 25 أبريل 2026 الموافق 08 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

في ذكرى التحرير.. كيف أصبحت سيناء سيمفونية الحرب والسلام والتعمير؟

الرئيس نيوز

ظلت سيناء عبر التاريخ مرآة تعكس طبيعة التحديات التي واجهت الدولة المصرية، ومقياسًا حقيقيًا لقدرتها على الصمود وإعادة بناء التوازن. فمنذ العصور القديمة، مثلت بوابة العبور الرئيسية للجيوش، ثم تحولت في العصر الحديث إلى مسرح مفتوح للصراعات الكبرى، بدءًا من العدوان الثلاثي 1956، مرورًا بنكسة حرب يونيو 1967، وصولًا إلى لحظة التحول الاستراتيجي في حرب أكتوبر 1973، التي أعادت صياغة موازين القوة ومهدت الطريق لاستعادة الأرض كاملة ورفع العلم المصري عليها في 25 أبريل 1982.

غير أن مسار سيناء لم يتوقف عند حدود الصراع التقليدي، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا مع تصاعد تهديدات الإرهاب، حيث تحولت إلى ساحة مواجهة مع تنظيمات عنيفة استهدفت تقويض استقرار الدولة من خاصرتها الشرقية. وقد خاضت مصر في هذا السياق واحدة من أعنف معاركها الأمنية، قدمت خلالها تضحيات جسيمة من رجال القوات المسلحة والشرطة، انتهت باستعادة السيطرة الكاملة على الأرض وتهيئة البيئة لإطلاق مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والتنمية.

وفي هذا الإطار، يكتسب الاحتفال السنوي بذكرى تحرير سيناء دلالة تتجاوز البعد الرمزي، ليصبح تذكيرًا متجددًا بأن استعادة الأرض لم تكن نهاية المعركة، بل بداية لمسار ممتد من تثبيت السيادة وتعظيم الاستفادة من هذه البقعة الاستراتيجية. ومع تدشين مشروع “الجمهورية الجديدة” منذ عام 2014، أعادت الدولة المصرية تعريف موقع سيناء في معادلة الأمن القومي، فلم تعد فقط خط الدفاع الأول، بل تحولت إلى محور رئيسي في رؤية شاملة لإعادة بناء الجغرافيا الاقتصادية للدولة.

وتنطلق هذه الرؤية من إدراك عميق بأن حماية الحدود لم تعد تُقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل بمدى القدرة على تعمير الأرض ودمجها في النسيج الوطني اقتصاديًا واجتماعيًا. ومن ثم، أصبحت تنمية سيناء خيارًا استراتيجيًا لا يقبل التأجيل، باعتبارها الحصن الحقيقي لترسيخ الاستقرار، وأحد أهم أدوات الدولة في مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية على حد سواء.

سيناء: من جغرافيا الصراع إلى معادلة السيادة والتنمية

ليست سيناء مجرد امتداد جغرافي على الخريطة المصرية، بل تمثل عبر التاريخ نقطة الارتكاز الأكثر حساسية في معادلة الأمن القومي المصري، حيث تتقاطع عندها الجغرافيا مع السياسة، والتاريخ مع الاستراتيجية. فهي الأرض التي اختبرت عبر العصور قدرة الدولة المصرية على الصمود، وكانت دومًا مقياسًا حقيقيًا لصلابة مؤسساتها وقدرتها على إدارة التهديدات المركبة، سواء كانت عسكرية تقليدية أو غير نمطية.
فعلى مدار آلاف السنين، لم تكن سيناء مجرد ساحة عبور، بل تحولت إلى “خط تماس دائم” بين مصر ومحيطها الإقليمي، حيث تعاقبت عليها موجات الغزو والحروب، من الجيوش القديمة إلى الصراعات الحديثة، وصولًا إلى الحرب ضد الإرهاب في العقد الأخير. هذا الإرث الثقيل من التحديات لم يُضعف من مكانة سيناء، بل أعاد تشكيلها كمساحة اختبار لإرادة الدولة، وقدرتها على استعادة السيطرة وبناء الاستقرار.
وفي الوعي الاستراتيجي المصري، كما أشار المفكر جمال حمدان، تمثل سيناء “أخطر وأهم مدخل لمصر”، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي، بل لأنها ظلت تاريخيًا الأكثر تعرضًا للحركة العسكرية، ما جعلها منطقة تتجاوز في أهميتها حدود الجغرافيا لتصبح قضية أمن قومي ممتدة عبر الزمن. ومن هنا، فإن التعامل مع سيناء لم يكن يومًا مسألة تنموية بحتة، ولا أمنية فقط، بل هو توازن دقيق بين حماية الأرض وتعظيم الاستفادة منها.
لقد شهدت سيناء خلال العقود الماضية تحولات حادة، انتقلت بها من ساحة صراع عسكري مفتوح — تجلى في محطات مفصلية مثل حرب أكتوبر 1973 — إلى ساحة مواجهة مع تهديدات غير تقليدية تمثلت في الإرهاب العابر للحدود، والذي استهدف تقويض الدولة من أطرافها الأكثر هشاشة. غير أن الدولة المصرية استطاعت، عبر مقاربة شاملة جمعت بين الحسم الأمني وإعادة بناء البنية التحتية، أن تنهي هذه المرحلة وتعيد فرض سيادتها الكاملة على الأرض.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة سيناء بمعزل عن الأطماع التاريخية التي استهدفتها، وعلى رأسها المشاريع الصهيونية المبكرة التي سعت إلى توطين اليهود في سيناء قبل أن تتحول إلى فلسطين عقب وعد بلفور 1917. كما تعود هذه الأطماع إلى الواجهة بأشكال جديدة في ظل التحولات الإقليمية الراهنة، خاصة منذ أحداث أحداث 7 أكتوبر 2023، التي أعادت طرح سيناريوهات تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وهو ما واجهته مصر بموقف حاسم أعاد تأكيد ثوابتها الاستراتيجية ونجح في حشد دعم دولي واسع لرفض هذا الطرح.
من هنا، تكتسب سيناء في “الجمهورية الجديدة” معنى مختلفًا؛ إذ لم تعد فقط خط الدفاع الأول، بل أصبحت أيضًا محورًا رئيسيًا في مشروع وطني لإعادة توزيع السكان، وتعظيم الاستفادة من الموارد، وبناء عمق استراتيجي حقيقي للدولة المصرية. إنها لحظة انتقال من إدارة الخطر إلى صناعة الفرص، ومن منطق التأمين إلى منطق التنمية الشاملة.
وعليه، فإن الحديث عن تنمية سيناء اليوم لا يمكن فصله عن هذا السياق التاريخي والاستراتيجي المركب؛ فكل مشروع تنموي في هذه البقعة يحمل في طياته بعدًا سياديًا، وكل استثمار فيها هو، في جوهره، تعزيز مباشر للأمن القومي المصري.

سيناء ورهان التنمية كمدخل للاستقرار المستدام

في أعقاب أحداث 30 يونيو 2013، برزت سيناء باعتبارها إحدى أكثر دوائر التهديد تعقيدًا في البيئة الأمنية المصرية، حيث سعت التنظيمات الإرهابية إلى استغلال خصوصية الموقع الجغرافي وطبيعة التضاريس لخلق بؤرة ضغط مستدام على الدولة. غير أن الاستجابة المصرية لم تقتصر على المعالجة الأمنية التقليدية، بل اتجهت نحو تبني مقاربة شاملة تعيد تعريف طبيعة الصراع ذاته، عبر الانتقال من “إدارة التهديد” إلى “تفكيك جذوره”. وفي هذا السياق، جاء توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بإطلاق مشروع قومي متكامل لحماية وتنمية سيناء، ليعكس تحولًا نوعيًا في فلسفة التعامل مع شبه الجزيرة، قائمًا على الربط العضوي بين الأمن والتنمية باعتبارهما مسارين متوازيين لا ينفصلان.
وقد اضطلعت القوات المسلحة والشرطة بدور حاسم في استعادة السيطرة الميدانية وتطهير “أرض الفيروز” من البؤر الإرهابية، في واحدة من أكثر العمليات تعقيدًا في تاريخ المواجهات غير التقليدية في مصر. غير أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المرحلة لم تتوقف عند حدود الحسم الأمني، بل تمثلت في تهيئة المجال العام لإطلاق موجة غير مسبوقة من مشروعات البنية التحتية، التي استهدفت كسر العزلة التاريخية عن سيناء وربطها فعليًا بمراكز الثقل في الدولة. وعلى هذا الأساس، لم تعد التنمية مجرد استجابة خدمية، بل تحولت إلى أداة لإعادة تشكيل المجال الاقتصادي والاجتماعي، عبر تدشين مشروعات عمرانية واستثمارية تسعى إلى بناء قاعدة إنتاجية مستدامة داخل الإقليم.
وتنطلق الاستراتيجية المصرية من فرضية مركزية مفادها أن دمج سيناء في النسيج الوطني لا يتحقق عبر الاتصال الجغرافي فقط، بل من خلال خلق ترابط اقتصادي وهيكلي يجعلها امتدادًا طبيعيًا لوادي النيل والدلتا، لا هامشًا معزولًا عنهما. ومن ثم، تستهدف الدولة تحويل سيناء إلى محور جذب سكاني واستثماري، قادر على استيعاب جزء من الضغوط الديموغرافية المتزايدة، عبر خلق فرص عمل جديدة وإعادة توزيع الكثافة السكانية بصورة أكثر توازنًا.
وفي هذا الإطار، تتبنى الدولة رؤية أوسع لإعادة تعريف وظيفة سيناء داخل الخريطة العمرانية لمصر، باعتبارها أحد المفاتيح الرئيسية للتوسع خارج الوادي الضيق، من خلال تعظيم الاستفادة من مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي الفريد. وقد تجسدت هذه الرؤية ضمن المخطط القومي للتنمية العمرانية 2052، الذي وضع سيناء في صدارة مناطق الأولوية لاستيعاب النمو السكاني المستقبلي، مستهدفًا رفع نسبة المعمور من إجمالي مساحة الدولة إلى نحو 14%.
وعليه، لم تعد تنمية سيناء خيارًا تنمويًا تقليديًا، بل أصبحت رهانًا استراتيجيًا يرتبط مباشرة بمعادلة الاستقرار طويل الأمد؛ حيث تمثل التنمية الشاملة الإطار الأكثر فعالية لتحصين الإقليم ضد إعادة إنتاج التهديدات، وتحويله من نقطة هشاشة محتملة إلى ركيزة صلبة في بنية الدولة المصرية.

نحو تنمية شاملة تعزز الأمن وتدفع النمو

تعكس الخطة القومية لتنمية شبه جزيرة سيناء تحولًا نوعيًا في فلسفة الدولة المصرية، يقوم على إدماج البعد التنموي داخل صلب معادلة الأمن القومي، وليس التعامل معه كمسار موازٍ أو لاحق. فالتجربة العملية أثبتت أن الاستقرار المستدام لا يُفرض فقط عبر أدوات الردع، بل يُبنى من خلال خلق بيئة اقتصادية واجتماعية قادرة على امتصاص الضغوط وتفكيك مسببات الهشاشة. ومن هذا المنطلق، جاءت مقاربة التنمية في سيناء شاملة ومتكاملة، تستهدف إعادة تشكيل الإقليم اقتصاديًا وعمرانيًا، بالتوازي مع تثبيت دعائم الأمن.
وترتكز هذه الاستراتيجية على ثلاثة محاور متداخلة: أولها تنمية اقتصادية تسعى إلى تنويع القاعدة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الأنشطة التقليدية، وثانيها تنمية اجتماعية تستهدف تحسين جودة الحياة عبر تطوير خدمات التعليم والرعاية الصحية وتمكين الفئات الأكثر احتياجًا، وثالثها تنمية عمرانية وبنية تحتية تعيد رسم الخريطة الجغرافية لسيناء وتكسر عزلتها التاريخية. هذا التداخل بين المحاور الثلاثة لا يعكس فقط شمولية الرؤية، بل يؤسس لنموذج تنموي قادر على الاستمرار والتوسع.
وفي هذا السياق، تعكس الأرقام حجم التحول الجاري على الأرض؛ إذ ضخت الدولة منذ عام 2014 استثمارات تتجاوز 600 مليار جنيه، مع تركيز ملحوظ على شمال سيناء باعتبارها الأكثر احتياجًا للتدخل التنموي، حيث استحوذت على نحو 290 مليار جنيه. كما تم تنفيذ أكثر من ألف مشروع في مختلف القطاعات، فيما تستهدف المرحلة الثانية (2023–2028) إضافة دفعة جديدة من المشروعات النوعية بتكلفة تُقدّر بنحو 363 مليار جنيه. وتُظهر الاستثمارات المحلية خلال عام 2023/2024 استمرار الزخم التنموي، بما يعكس انتقال سيناء من مرحلة “التأسيس” إلى مرحلة “تعظيم العائد”.
وعلى مستوى القطاعات الإنتاجية، برز القطاع الزراعي كأحد أعمدة هذا التحول، حيث يستهدف مشروع التنمية الزراعية استصلاح نحو 1.1 مليون فدان، تم إنجاز جزء معتبر منها حتى الآن، إلى جانب إنشاء تجمعات زراعية متكاملة تسهم في توطين السكان وخلق مجتمعات إنتاجية مستقرة. ولا يقتصر الأثر هنا على زيادة الرقعة الزراعية، بل يمتد ليشمل إعادة توزيع الكثافة السكانية وتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا.
وفي قطاع الثروة السمكية، يمثل تطوير بحيرة البردويل نموذجًا واضحًا لكيفية تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، عبر تحديث البنية التحتية ورفع كفاءة الإنتاج، إلى جانب التوسع في مشروعات الاستزراع السمكي التي تعزز الأمن الغذائي وتخلق فرص عمل مستدامة. كما تأتي مشروعات مثل مزارع الفيروز السمكية، إلى جانب مشروعات الاستزراع التي تنفذها هيئة قناة السويس شرق القناة، لتعكس توجهًا استراتيجيًا نحو بناء قطاع إنتاجي متكامل قادر على المنافسة.
وعليه، فإن ما تشهده سيناء اليوم يتجاوز كونه مجرد طفرة في معدلات الإنفاق أو عدد المشروعات، ليعبر عن إعادة صياغة شاملة لدورها داخل الاقتصاد الوطني. فالتنمية هنا لا تُقاس فقط بحجم الإنجاز، بل بقدرتها على خلق واقع جديد يجعل من سيناء ركيزة للنمو، وخط دفاع اقتصادي يعزز مناعة الدولة في مواجهة التحديات المستقبلية.
وفي قطاع التعدين والطاقة، تعكس المؤشرات حجم التحول الهيكلي في استغلال الموارد الطبيعية بسيناء، حيث تمتلك احتياطيات تُقدّر بنحو 120 ألف طن من المنجنيز، إلى جانب خامات استراتيجية أخرى مثل النحاس والكروم واليورانيوم، بما يفتح المجال أمام توطين صناعات تعدينية ذات قيمة مضافة.
وفي موازاة ذلك، أسفرت جهود الاستكشاف عن 401 اكتشاف بترولي أضافت نحو 503 ملايين برميل من الزيت الخام و39 تريليون قدم مكعب من الغاز، مع تطوير الحقول لتحقيق إنتاج يصل إلى 25 مليون قدم مكعب يوميًا، فيما بلغت الطاقة الإنتاجية لحقول شمال سيناء نحو 135 مليون قدم مكعب يوميًا. كما شملت البنية التحتية تنفيذ مشروعات تخزين وتداول تتجاوز 2 مليار دولار، إلى جانب مد 1361 كم من خطوط الغاز ليصل الإجمالي إلى 2376 كم، وإنشاء 84 محطة تموين و18 مركز تحويل، بما يؤسس لشبكة طاقة متكاملة تدعم التوسع الصناعي والعمراني.
وفي قطاع الطاقة، شهدت سيناء قفزة نوعية مع ارتفاع عدد مشتركي الكهرباء إلى نحو 1.9 مليون مشترك بنسبة 65.2%، وتضاعف القدرة الإنتاجية بنحو 10 أضعاف، في إطار تعزيز أمن الطاقة. وتضم البنية الحالية محطات رئيسية في العريش بقدرات تصل إلى 250 و320 ميجاوات، إلى جانب محطة شرم الشيخ بقدرة 288 ميجاوات، ومحطات محولات استراتيجية مثل محطة سانت كاترين بجهد 220 كيلوفولت، مع استثمارات تقارب 10 مليارات جنيه لتحديث الشبكات وتعميم العدادات الذكية.
وعلى مستوى القطاع الصناعي، شهدت سيناء استثمارات مباشرة تُقدّر بنحو 6.5 مليارات جنيه، مع تخصيص 38 مليار جنيه للمرحلة المقبلة، في إطار توجه يستهدف بناء قاعدة إنتاجية مستدامة. ويبرز في هذا السياق مجمع أسمنت العريش بطاقة إنتاجية تبلغ 6.9 ملايين طن سنويًا، إلى جانب مجمع الرخام بالجفجافة بطاقة 3 ملايين متر مربع، ومصنع رأس سدر بطاقة 1.5 مليون متر مربع. كما بلغت استثمارات المناطق الصناعية نحو 73.3 مليار جنيه، بالتوازي مع تمويل 56.2 ألف مشروع صغير بقيمة 2.4 مليار جنيه، أسهمت في توفير 97.5 ألف فرصة عمل، وهو ما يعكس دور هذه المشروعات في خلق اقتصاد محلي ديناميكي.
وفي قلب هذه المنظومة، تبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كنموذج متكامل يعيد تعريف دور سيناء في الاقتصاد العالمي، مستفيدة من موقعها على قناة السويس الذي يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية و20% من تجارة الحاويات. وتضم المنطقة 6 موانئ و4 مناطق صناعية، مدعومة بنظام رقمي موحد لخدمات المستثمرين، بما يعزز كفاءة بيئة الأعمال. وقد نجحت في جذب استثمارات أجنبية تُقدّر بنحو 16 مليار دولار خلال 3 سنوات و9 أشهر، مقارنة بـ 2 مليار دولار فقط خلال السنوات الست السابقة، أي ما يقارب 8 أضعاف، في مؤشر واضح على التحول النوعي في جاذبية المنطقة.
وفي قطاع السياحة، تعكس الاستثمارات التي بلغت نحو 2.5 مليار جنيه توجهًا واضحًا لإعادة توظيف المقومات التاريخية والروحية لسيناء ضمن نموذج سياحي أكثر تنوعًا واستدامة، حيث شملت هذه الجهود تطوير عدد من المواقع السياحية وإحياء مسار العائلة المقدسة بطول يصل إلى 3500 كم، إلى جانب تنفيذ مشروع التجلي الأعظم بمدينة سانت كاترين، الذي يستهدف تحويل المنطقة إلى مقصد روحاني عالمي في محيط الوادي المقدس. كما تم تطوير بنية ثقافية متكاملة في شرم الشيخ، التي حصدت جوائز دولية خلال عامي 2023 و2024، عبر تنفيذ مشروعات مثل قصر ثقافة شرم الشيخ بتكلفة تقارب 38 مليون جنيه، وقصر ثقافة العريش بنحو 35 مليون جنيه، إلى جانب إنشاء متحف شرم الشيخ بتكلفة بلغت 812 مليون جنيه، بما يعزز من جاذبية الإقليم سياحيًا وثقافيًا.
وعلى صعيد البنية التحتية، شهدت سيناء طفرة غير مسبوقة تمثلت في تنفيذ نحو 5000 كم من الطرق، وإنشاء 7 كباري عائمة و5 أنفاق أسفل قناة السويس بتكلفة إجمالية بلغت 35 مليار جنيه، بما أسهم في تحقيق الربط الفعلي بين سيناء ووادي النيل. كما يجري تنفيذ مشروعات سكك حديدية استراتيجية، أبرزها مشروع “قطار التنمية” بطول يصل إلى 500 كم، يتضمن خط بئر العبد–العريش–طابا، فضلًا عن تطوير 8 موانئ بحرية و3 موانئ برية و6 مطارات، في إطار تحويل سيناء إلى عقدة لوجستية متكاملة. وفي قطاع الإسكان، تم إنشاء نحو 47 ألف وحدة سكنية و4382 بيتًا بدويًا بتكلفة 26 مليار جنيه، إلى جانب 56.3 ألف وحدة إسكان اجتماعي وتطوير 54.5 ألف وحدة، وإنشاء 18 تجمعًا تنمويًا، بما يدعم استقرار المجتمعات المحلية ويعزز إعادة التوزيع السكاني.
وفي قطاع المياه، الذي يمثل حجر الزاوية في أي عملية تنموية بسيناء، تم تنفيذ 78 مشروعًا لمياه الشرب بطاقة تصل إلى مليون م³/يوم، إلى جانب 34 محطة تحلية ليصل الإجمالي إلى 49 محطة، مع رفع نسبة تغطية مياه الشرب إلى 96.5% والصرف الصحي إلى 78%. وتشمل المشروعات الاستراتيجية محطات كبرى مثل محطة المحسمة بطاقة مليون م³/يوم لاستصلاح 250 مليون م² وتوفير 162.5 ألف فرصة عمل، ومشروع السحارة لري 60 ألف فدان، ومحطة محطة بحر البقر بطاقة 5 ملايين م³/يوم لاستصلاح 400 ألف فدان، إلى جانب مشروعات تحلية إضافية في جنوب سيناء وشرق بورسعيد.
وفي إطار الربط الإقليمي، يجري استكمال مشروع الربط الكهربائي مع السعودية عبر سيناء لرفع القدرة إلى 3000 ميجاوات مقارنة بـ1500 ميجاوات في المرحلة الأولى، بالتوازي مع تعزيز الربط مع الأردن، بما يدعم تحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة. كما تتجه سيناء نحو الطاقة النظيفة عبر تنفيذ مشروعات الرياح والطاقة الشمسية، خاصة في شرم الشيخ، إلى جانب التوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر ضمن استراتيجية الاقتصاد الأخضر.
وقد انعكست هذه المشروعات على دعم التنمية المباشرة، حيث تم تغذية 155 مشروعًا وتجمعًا تنمويًا بالكهرباء، في إطار التوافق مع رؤية مصر 2030 التي تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 40%، مع تطوير شبكة نقل بجهد 500 كيلوفولت عبر مسارات استراتيجية تمر بقناة السويس.
وعلى المستوى الاجتماعي، شهد قطاع التعليم طفرة واضحة، حيث ارتفع عدد المدارس إلى 3094 مدرسة بنسبة زيادة 22.3%، ووصل عدد الفصول إلى 24.1 ألف فصل، مع توزيع 116.1 ألف جهاز تابلت دعمًا للتحول الرقمي. كما تم التوسع في التعليم الجامعي بإنشاء 6 جامعات جديدة بتكلفة تجاوزت 23 مليار جنيه، مقارنة بجامعتين فقط قبل عام 2014، بما يعزز بناء مجتمع معرفي داخل سيناء.
وفي القطاع الصحي، توسعت الخدمات لتشمل 58 مستشفى و171 وحدة صحية، بالتوازي مع تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية التي شملت 120.8 ألف مستفيد من الدعم النقدي بإجمالي 4.8 مليارات جنيه، و423.8 ألف مستفيد من المعاشات، ودعم تمويني لأكثر من 2.5 مليون مواطن، في إطار توجه الدولة لتعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين جودة الحياة.
وفي ضوء خطة 2025/2026، تستهدف الدولة استثمارات جديدة بقيمة 6.6 مليار جنيه لشمال سيناء و3.6 مليار جنيه لجنوبها، موزعة على قطاعات الزراعة والصحة والنقل والمياه والتعليم، إلى جانب التوسع في مشروعات الري والتحلية والخدمات. كما يجري إنشاء مركز خدمات مصر بالعريش لتقديم أكثر من 156 خدمة حكومية في موقع واحد، بما يعكس التحول نحو نموذج إداري رقمي متكامل يرفع كفاءة الخدمات ويعزز ثقة المواطنين.
وبذلك، لا تعكس هذه الأرقام مجرد حجم إنفاق، بل تعبر عن إعادة بناء شاملة لسيناء كمساحة منتجة ومتصلة، قادرة على دعم النمو الاقتصادي وترسيخ الاستقرار طويل الأمد.
وختامًا،  يُمكن القول بأن سيناء  لم تعد في “الجمهورية الجديدة” مجرد رقعة حدودية على أطراف الدولة، بل أعادت الدولة المصرية تعريفها كامتداد استراتيجي حيّ داخل بنية الأمن القومي، وكمجال حيوي لإعادة صياغة العلاقة بين الجغرافيا والتنمية. فقد أثبتت التجربة خلال العقد الأخير أن معادلة الاستقرار لم تعد تُبنى على أدوات الردع وحدها، بل على قدرة الدولة على تحويل مناطق الهشاشة إلى دوائر إنتاج ونمو، وهو ما تجسد بوضوح في التحول من الحسم الأمني إلى التمكين التنموي.
لقد مثّل القضاء على الإرهاب نقطة الانطلاق، لا نقطة النهاية؛ إذ أتاح استعادة السيطرة الكاملة على الأرض، وفتح المجال أمام إطلاق واحدة من أوسع عمليات إعادة البناء في تاريخ الإقليم. وفي هذا السياق، لم تعد المشروعات التي تُنفذ في سيناء مجرد استثمارات رقمية أو إنجازات قطاعية متفرقة، بل أصبحت جزءًا من تصور استراتيجي متكامل يستهدف تفكيك العزلة التاريخية التي عانت منها شبه الجزيرة، وإعادة دمجها عضويًا في الاقتصاد الوطني.
ومن خلال هذا المسار، نجحت الدولة في نقل سيناء من كونها “خط دفاع” إلى كونها “مساحة فرص”، عبر تطوير شبكات الربط الجغرافي، وتعزيز البنية التحتية، وإطلاق مشروعات في قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة، بما يعيد توزيع مراكز الثقل الاقتصادي داخل الدولة. وهنا، تتجلى حقيقة أساسية مفادها أن السيادة على الأرض لا تُقاس فقط بحمايتها، بل بقدرة الدولة على تعميرها واستدامة استغلالها.
ومع استمرار تنفيذ خطط التنمية خلال (2025–2026)، تتبلور ملامح مرحلة جديدة تصبح فيها سيناء ركيزة مزدوجة: جدارًا صلبًا في معادلة الأمن، وبوابة اقتصادية كبرى تعزز موقع مصر في محيطها الإقليمي والدولي. وبذلك، تظل سيناء شاهدًا حيًا على أن إرادة البناء، حين تقترن برؤية استراتيجية طويلة المدى، لا تقل قوة وتأثيرًا عن إرادة التحرير.