الثلاثاء 14 أبريل 2026 الموافق 26 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

لتقليص نفوذ إيران.. خطة أمريكية لتجاوز أزمة مضيق هرمز

الرئيس نيوز

طرح المجلس الأطلسي، ومقره واشنطن، تصورًا استراتيجيًا جديدًا يقوم على أن التعامل مع أزمة مضيق هرمز لم يعد يمكن أن يقتصر على الأدوات العسكرية أو الدبلوماسية التقليدية، بل بات يتطلب إعادة هندسة شاملة لتدفقات الطاقة العالمية، عبر ما يمكن وصفه بـ"هندسة البنية التحتية البديلة".

ووفق هذا الطرح، فإن ما يُعرف بـ"عملية الفائض" يمثل محاولة طويلة المدى لتقليص النفوذ الجيوسياسي الإيراني، من خلال بناء شبكات طاقة تتجاوز نقطة الاختناق البحرية الأكثر حساسية في العالم.

تهديد الملاحة في مضيق هرمز

تشير الفكرة إلى أن إيران، رغم تراجع بعض قدراتها العسكرية التقليدية خلال السنوات الأخيرة، لا تزال تحتفظ بأقوى أدوات تأثيرها على الاقتصاد العالمي، والمتمثلة في قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، فهذا المضيق يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز والأسمدة عالميًا، ما يمنح طهران قدرة على إحداث اضطرابات واسعة في الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد، سواء عبر التصعيد المباشر أو حتى التلويح بالإغلاق.

في المقابل، يرى التحليل أن الرد العسكري المباشر لإعادة فتح المضيق بالقوة يظل خيارًا شديد الكلفة ومعقد النتائج، نظرًا لاعتماد إيران على أدوات حرب غير تقليدية، مثل الألغام البحرية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ المضادة للسفن، وهو ما يجعل أي مواجهة مفتوحة في المنطقة محفوفة بالمخاطر، حتى بالنسبة للقوى الكبرى.

من هنا تنطلق الرؤية البديلة، التي تقوم على فكرة تجاوز المضيق بدلًا من الدخول في صراع عليه، وذلك عبر إنشاء شبكة واسعة من خطوط الأنابيب والموانئ البديلة، تعيد توجيه تدفقات الطاقة بعيدًا عن نقطة الاختناق الجغرافية، ويعني هذا التحول، عمليًا، الانتقال من إدارة الأزمة إلى تفكيكها من جذورها، عبر تقليل الاعتماد على مسار واحد شديد الحساسية.

توسيع البنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج

وتتضمن هذه الرؤية توسيع البنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج، وربطها بموانئ استراتيجية على البحر الأحمر وبحر العرب، بما يشمل تعزيز قدرات التصدير في السعودية، وتطوير ميناء الفجيرة في الإمارات، إلى جانب توسيع المسارات البرية والبحرية عبر سلطنة عُمان. 

كما تمتد الفكرة إلى تعزيز الربط مع شرق المتوسط، بما في ذلك منظومة "سوميد" في مصر، بهدف إعادة توزيع حركة الطاقة عالميًا على أكثر من محور، بدلًا من الاعتماد على مضيق واحد.

ويذهب التحليل إلى عقد مقارنة تاريخية مع مشروعات كبرى نُفذت خلال الحرب العالمية الثانية، حين تمكنت القوى الصناعية من بناء شبكات إمداد طاقية ضخمة في وقت قياسي لدعم المجهود الحربي في أوروبا. 

كما يشير إلى تجارب إنشاء خطوط أنابيب عملاقة خلال أربعينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة، باعتبارها دليلًا على أن التحول السريع في البنية التحتية ممكن، إذا ما تم التعامل مع الطاقة كأولوية أمن قومي.

نقطة اختناق النظام الطاقي العالمي

وتكمن الفكرة المركزية هنا في أن مضيق هرمز يمثل نقطة الاختناق الأساسية في النظام الطاقي العالمي، وأن استمرار الاعتماد عليه يمنح إيران قدرة دائمة على الضغط السياسي والاقتصادي، أما بناء مسارات بديلة متعددة، فيؤدي تدريجيًا إلى تقليص هذه القدرة، حتى دون الحاجة إلى إغلاق فعلي للمضيق، إذ ستتكيف الأسواق مع وجود بدائل أكثر استقرارًا.

لكن هذه الرؤية لا تقتصر على البناء فقط، بل تمتد إلى جانب الحماية أيضًا. إذ تفترض أن أي شبكة طاقة جديدة ستكون هدفًا محتملًا لهجمات من إيران أو من أطراف حليفة لها، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو عمليات التخريب أو أساليب الحرب غير المباشرة، لذلك تقترح إنشاء منظومة دفاع متعددة الطبقات لحماية هذه البنية التحتية، تعتمد على تقنيات متقدمة لرصد واعتراض التهديدات الجوية منخفضة التكلفة.

وفي سياق متصل، برزت تحركات سياسية أوروبية لافتة، حيث أعلن الرئيس الفرنسي، بالتنسيق مع رئيس الوزراء البريطاني، عن مبادرة تهدف إلى تشكيل بعثة متعددة الجنسيات ذات طابع "سلمي"، هدفها الأساسي إعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، ووفق هذه الرؤية، لن تكون البعثة هجومية، بل دفاعية بحتة، مع التركيز على منع التصعيد وضمان استمرار تدفق التجارة العالمية دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

في المقابل، شدد رئيس الوزراء البريطاني على أن بلاده لا تنوي الانخراط في أي حرب ضد إيران، مهما كانت الضغوط، كما أنها لا تدعم فرض سيطرة عسكرية على المضيق، لكنه أكد، في الوقت ذاته، ضرورة إعادة فتحه بالكامل، معتبرًا أن استمرار تعطله يشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، وأن الحل يجب أن يكون سياسيًا ودبلوماسيًا بالتنسيق مع دول الخليج.

إجراءات بحرية صارمة ضد حركة الملاحة المرتبطة بإيران

وعلى الجانب الآخر، أعلنت الإدارة الأمريكية فرض إجراءات بحرية صارمة تستهدف حركة الملاحة المرتبطة بإيران في المنطقة، في إطار تصعيد يهدف إلى زيادة الضغط الاقتصادي والسياسي على طهران. 

وأشارت القيادة العسكرية الأمريكية إلى أنها ستراقب حركة السفن بدقة، مع محاولة عدم عرقلة الملاحة التجارية غير المرتبطة بإيران، في سعي لتحقيق توازن دقيق بين الردع واستمرار تدفق التجارة.

كما تزامن ذلك مع تعثر جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، والتي كانت تهدف إلى تهدئة التصعيد في المنطقة، وقد تبادل الطرفان الاتهامات بشأن مسؤولية فشل المحادثات، في وقت لا تزال فيه احتمالات استئناف التفاوض مرتبطة بشروط تتعلق بوضع المضيق وحرية الملاحة فيه.

وتقوم "عملية الفائض" على إعادة تعريف طريقة التعامل مع الأزمات الجيوسياسية؛ فبدلًا من التنافس على السيطرة على نقطة اختناق واحدة، يجري العمل على خلق شبكة بديلة تجعل هذه النقطة أقل تأثيرًا بمرور الوقت، وبهذا المعنى، تتحول البنية التحتية من مجرد أداة اقتصادية إلى أداة استراتيجية تعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة.

وبينما تظل إيران قادرة على استخدام الجغرافيا كورقة ضغط مؤثرة، يسعى هذا الطرح إلى تقليص تأثير هذه الورقة تدريجيًا عبر الاستثمار في البدائل طويلة المدى، بما يحوّل التهديدات الجغرافية من عنصر حاسم إلى عامل أقل تأثيرًا في معادلة النظام الدولي.