الإثنين 13 أبريل 2026 الموافق 25 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

رغم اشتعال هرمز.. كيف نجحت مصر في التحول إلى مركز إقليمي لتأمين إمدادات الغاز لأوروبا؟

الرئيس نيوز

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تجد منطقة الشرق الأوسط نفسها في قلب واحدة من أعنف أزمات الطاقة العالمية، حيث تداخلت تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من أخرى مع اختلالات حادة في أسواق النفط والغاز. ومع إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد شريانا رئيسيا لتدفق الطاقة عالميا، باتت معظم عواصم العالم أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود، لكن القاهرة في المقابل تتحرك بثقة مدعومة بمزيج من السياسات الاستباقية واكتشافات الغاز وتسارع التحول نحو الطاقة المتجددة، وفقا لموقع المونيتور الأمريكي.

بدأت ملامح الأزمة مع تحول مضيق هرمز من ممر آمن للتجارة إلى نقطة اشتعال جيوسياسية، بعدما كان يعبر من خلاله نحو ربع تجارة النفط البحرية عالميًا. ومع تضاؤل البدائل اللوجستية المحدودة، التي لا تستوعب سوى جزء بسيط من التدفقات المعتادة، ارتفعت حدة القلق في الأسواق العالمية. وبالنسبة لمصر، التي تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي لتشغيل محطات الكهرباء وتستورد نسبة معتبرة من احتياجاتها النفطية، انعكست هذه التطورات سريعًا على الداخل، في صورة ضغوط على إمدادات الكهرباء وارتفاع تكلفة الطاقة.

ورغم صعوبة المشهد، لم تنكر القاهرة حجم التحدي. فقد حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي من أن العالم قد يكون على أعتاب أكبر أزمة طاقة في العصر الحديث، مع احتمال وصول أسعار النفط إلى مستويات قياسية. هذا الإدراك المبكر دفع الحكومة إلى التحرك السريع عبر حزمة إجراءات تقشفية وتنظيمية طالت تفاصيل الحياة اليومية، من تقليص ساعات عمل المحال التجارية وخفض الإنارة العامة، إلى ترشيد استهلاك الطاقة في المؤسسات الحكومية ورفع أسعار الوقود والمواصلات.

وانعكس ذلك بوضوح على نمط الحياة، خصوصًا في القاهرة التي عرفت طويلًا بأنها “مدينة لا تنام”، إذ أصبحت أكثر هدوءًا مع الإغلاق المبكر وتراجع النشاط الليلي. هذا التحول لم يكن اجتماعيًا فحسب، بل امتد تأثيره إلى قطاعات اقتصادية كاملة تعتمد على الاستهلاك المسائي، مثل المطاعم والترفيه والتجزئة، بالتزامن مع ضغوط تضخمية متزايدة طالت الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، في ظل تحذيرات من مخاطر صعودية تهدد استقرار الأسعار.

وفي مواجهة هذه التحديات، ترتكز الاستراتيجية المصرية على ثلاثة محاور رئيسية. أولها تأمين إمدادات الغاز، سواء عبر الاستيراد أو زيادة الإنتاج المحلي، حيث أبرمت مصر اتفاقيات لتوريد شحنات من الغاز الطبيعي المسال، بالتوازي مع تعزيز قدرات محطات الإسالة في إدكو ودمياط، ما يعزز دورها كمركز إقليمي لإعادة تصدير الغاز إلى أوروبا. كما ساهم استئناف تدفقات الغاز من الحقول الإسرائيلية في تخفيف الضغوط على السوق المحلية.

أما المحور الثاني فيتمثل في التوسع السريع في مشروعات الطاقة المتجددة، حيث تعمل مصر على إدخال قدرات إضافية من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خاصة في مجمع بنبان بأسوان ومشروعات خليج السويس. ولم تعد هذه الخطوات مجرد التزام بيئي، بل تحولت إلى ضرورة استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

في المقابل، يركز المحور الثالث على تحسين بيئة الاستثمار في قطاع الطاقة، من خلال تسوية مستحقات شركات البترول الأجنبية، وهو ما يهدف إلى جذب استثمارات جديدة في مجالات البحث والاستكشاف، بما يدعم زيادة الإنتاج المحلي على المدى المتوسط.

وجاءت الاكتشافات الغازية الأخيرة لتعزز هذا التوجه، إذ أعلنت شركة إيني عن اكتشاف مهم في شرق المتوسط، يُعد من أكبر الاكتشافات خلال السنوات الأخيرة. هذا التطور يمنح مصر دفعة قوية، وقد يسهم في إعادة تشكيل خريطة الطاقة لديها إذا تم تسريع عمليات الإنتاج.

وبين الخسائر والمكاسب، تبدو الصورة مركبة. فمن جهة، تتحمل مصر أعباء ارتفاع فاتورة الاستيراد وتراجع إيرادات قناة السويس نتيجة اضطراب حركة التجارة العالمية. ومن جهة أخرى، تستفيد من موقعها كمركز إقليمي لتسييل وتصدير الغاز، إضافة إلى تنامي الاهتمام الدولي بمشروعاتها في الطاقة المتجددة، وهو ما يعزز مكانتها الجيوسياسية.

وتسير مصر على خيط دقيق بين إدارة أزمة آنية معقدة وبناء مستقبل أكثر استدامة. وربما تكون هذه الأزمة، بكل ما تحمله من ضغوط، هي الحافز الأقوى لتسريع تحول استراتيجي طال انتظاره نحو استقلالية الطاقة وتعزيز مرونتها في مواجهة صدمات المستقبل.