ما فعله إيدن يكرره ترامب بعد 70 عاما: حين تعيد أزمة إيران إحياء درس السويس
في لحظات مفصلية من التاريخ المعاصر، لا يمكن النظر إلى الأحداث كوقائع منفصلة، بل تتحول إلى مرايا تعكس أخطاء الماضي حين تتكرر بصيغ جديدة. ما فعله رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن في أزمة العدوان الثلاثي على مصر يبدو اليوم وكأنه يعاد إنتاجه، ولكن هذه المرة على يد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعامله مع إيران خلال ٢٠٢٦، في مشهد يعكس تحولا عميقا في موازين القوة العالمية، وفقا لمقال شاهد جاويد بركي، وزير المالية الباكستاني السابق ونائب رئيس البنك الدولي سابقا، والذي نشرته صحيفة ذي إكسبرس تريبيون.
وفي عام ١٩٥٦، قررت بريطانيا وفرنسا شن هجوم عسكري على مصر بعد قرار الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، في محاولة لاستعادة السيطرة على شريان التجارة العالمي. لكن تلك المغامرة العسكرية تحولت إلى كارثة استراتيجية؛ إذ واجهت رفضا دوليا وضغطا أمريكيا أجبر لندن وباريس على التراجع، وانتهت باستقالة إيدن، بينما خرج ناصر بطلا للتحرر الوطني، وأعلنت الأزمة فعليا نهاية الهيمنة البريطانية وبداية صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى مهيمنة، وفقا لكاتب المقال
وبعد سبعين عاما، يتكرر المشهد بصورة مختلفة. فقرار إدارة ترامب بالتصعيد العسكري والسياسي تجاه إيران، خاصة في منطقة شديدة الحساسية مثل الخليج ومضيق هرمز، لم يؤد إلى إعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية كما كان متوقعا، بل كشف حدود هذه القوة. الحرب، التي انتهت بهدنة هشة دون حسم واضح، تركت إيران محتفظة بأوراقها الاستراتيجية، سواء في التحكم بممرات الطاقة أو في برامجها العسكرية، وهو ما أضعف الرواية الأمريكية بأنها الضامن الوحيد لأمن التجارة العالمية.
المفارقة أن التدخل في الحالتين جاء تحت مبررات الحفاظ على النظام الدولي وتأمين المصالح الاقتصادية، لكن النتائج جاءت معاكسة تماما. ففي ١٩٥٦، أدت المغامرة البريطانية إلى تسريع انتقال القيادة العالمية إلى واشنطن، أما في ٢٠٢٦، فإن مغامرة واشنطن نفسها قد تسرع انتقال هذه القيادة إلى الصين، التي تراقب المشهد وتستثمر في أخطاء خصومها بهدوء استراتيجي.
الأخطر من ذلك أن أزمة إيران لم تكن مجرد اختبار عسكري، بل اختبار لقدرة الولايات المتحدة على إدارة النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
فبدلا من تعزيز الثقة، أظهرت الأزمة ارتباكا في القرار وتراجعا في الفعالية، ما دفع كثيرا من الدول إلى إعادة تقييم اعتمادها على واشنطن. ومع تزايد الشكوك في قدرة أمريكا على ضمان استقرار الأسواق وممرات الطاقة، يتآكل أحد أهم أسس الهيمنة العالمية.
في السياق نفسه، لا يمكن فصل هذا التراجع عن سياسات أوسع تبناها ترامب، خاصة في ملف المناخ والطاقة، حيث انسحبت الولايات المتحدة من دورها القيادي، مفسحة المجال لقوى أخرى لملء الفراغ. هذا الانكفاء، بالتوازي مع قرارات التصعيد العسكري، رسم صورة لقوة عظمى تتخبط بين الانسحاب والمواجهة، دون استراتيجية متماسكة طويلة الأمد.
لكن الكاتب يؤكد أن التاريخ لا يكرر نفسه حرفيا، لكنه يعيد إنتاج أنماطه الكبرى. كما كانت السويس لحظة انكشاف لبريطانيا، قد تكون إيران لحظة انكشاف للولايات المتحدة. الفرق الوحيد أن المستفيد هذه المرة ليس قوة غربية صاعدة، بل قوة آسيوية تعمل بصبر على إعادة تشكيل النظام الدولي. وبينما سقط إيدن سياسيا بعد مغامرته، يبقى السؤال مفتوحا: هل يسجل التاريخ أن ترامب، بشعاراته عن استعادة عظمة أمريكا، كان في الواقع شاهدا على بداية تراجعها؟