الأربعاء 08 أبريل 2026 الموافق 20 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل

بهدوء خلف الكواليس.. كيف أوقفت مصر وباكستان الحرب في آخر لحظة؟

الرئيس نيوز

في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء السابع من أبريل 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة «تروث سوشيال»، وقف القصف الأمريكي على إيران لأسبوعين كاملين، مشروطا بـ«فتح فوري وكامل وآمن» لمضيق هرمز.

جاء الإعلان أقل من ساعتين قبل المهلة النهائية التي هدّد فيها ترامب بإنهاء حضارة بأكملها، إذا لم تفتح طهران المضيق، وردت إيران سريعًا بقبول الهدنة المؤقتة، مع التأكيد على ضمان مرور السفن عبر هرمز بتنسيق مع قواتها المسلحة، وأعلنت أن المفاوضات المباشرة ستبدأ يوم الجمعة العاشر من أبريل في إسلام آباد. 

وقف الحرب الإيرانية الأمريكية

واحتفل كلا الجانبين بالاتفاق بوصفه «انتصارًا»، لكن خلف هذا التحول الدرامي كانت أسابيع من الدبلوماسية السرية المعقدة، حيث لعبت باكستان ومصر — بدعم صيني غير مباشر — دور الوسطاء الرئيسيين في سحب المنطقة من حافة الهاوية.

جذور الأزمة: من مسقط إلى إسلام آباد

كيف وصل العالم إلى هذه اللحظة؟ يرى الخبراء أنه لا بد للإجابة من العودة إلى مسار التفاوض في مجمله عملت كل من مصر وباكستان على ترتيب المحادثات الأمريكية الإيرانية في مرحلة ما قبل الحرب، فيما اشترطت طهران أن تكون سلطنة عمان المكان المحايد، وأجرت واشنطن وطهران محادثات غير مباشرة في مسقط برعاية وزير الخارجية العماني، غير أن تلك المحادثات أغلقت أبوابها سريعًا؛ وأعلن ترامب أنه لا يشعر بالارتياح لنتائجها، وفي الثامن والعشرين من فبراير أطلق الجيشان الأمريكي والإسرائيلي حملتهما العسكرية المشتركة ضد إيران، تاركين المنطقة أمام واقع مغاير تمامًا، رغم محاولات تركية قطرية لإعادة قطار المفاوضات إلى القضبان.

ضربات أمريكية-إسرائيلية مكثفة على المنشآت الإيرانية

بدأت الجهود الوساطية الفعلية في مارس 2026 بعد اندلاع الحرب التي امتدت 6 أسابيع وشملت ضربات أمريكية-إسرائيلية مكثفة على المنشآت الإيرانية، وردودًا إيرانية بصواريخ وإغلاق جزئي لمضيق هرمز أثر بعمق على إمدادات النفط العالمية. مع اشتداد الحرب، انتقل ثقل الوساطة من عمان إلى كتلة الوسطاء الإقليميين التي ضمت باكستان ومصر. 

وفي التاسع والعشرين والثلاثين من مارس، استضافت إسلام آباد اجتماعًا لوزراء خارجية الدول الأربع  باكستان والسعودية ومصر وتركيا، من أجل تنسيق جهود التهدئة وتوحيد الرسائل الدبلوماسية الموجهة لكلا الطرفين، كشفت مصادر مطّلعة على هذه الجهود أن المفاوضات كانت تجري عبر وسطاء باكستانيين ومصريين وأتراك، إلى جانب رسائل نصية متبادلة مباشرةً بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفقا لموقع أكسيوس. 

باكستان: الجسر الوحيد بين عاصمتين متحاربتين

تفردت باكستان بدور لم تشغله دولة أخرى طوال الأزمة: كونها القناة الحصرية التي تعبرها الرسائل والمقترحات بين واشنطن وطهران. لجأت واشنطن إلى إسلام آباد لأسباب موضوعية واضحة: فباكستان تربطها بإيران حدود برية طويلة وروابط ثقافية ودينية عميقة، وتحتضن أكبر تجمع للمسلمين الشيعة خارج إيران، فضلا عن أنها لا تستضيف أي قواعد عسكرية أمريكية ولم تتعرض لأي ضربات إيرانية طوال فترة الحرب، هذا الموقع الجيوسياسي الفريد جعل إسلام آباد الوسيط الأكثر قبولا لدى الطرفين في آنٍ واحد، وفقا لشبكة سي «إن إن» الإخبارية الأمريكية.

اقترحت باكستان إطارا على مرحلتين: يبدأ بوقف فوري لإطلاق النار لإعادة فتح مضيق هرمز، يعقبه 15 إلى 20 يومًا من المفاوضات نحو ما أُطلق عليه اتفاق إسلام آباد الشامل، على أن يُوثَّق كل ذلك عبر مذكرة تفاهم إلكترونية تُعدّ القناة الوحيدة للتواصل بين الطرفين، وفقا لقناة «تي آر تي» التركية.

وتولى المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، قيادة هذه الجهود شخصيًا، إذ أجرى اتصالات ليلية متواصلة مع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس والمبعوث ويتكوف، بينما كان شهباز شريف يدير خط التواصل السياسي مع القيادة الإيرانية. وقد أقرّ ترامب بذلك صراحةً، إذ أكد أن قراره بوقف الضربات جاء بناءً على محادثاته مع رئيس الوزراء شهباز شريف والمشير عاصم منير من باكستان، وفقا لمجلة ذا ويك الأمريكية.

الدور المصري: الثقل العربي والهامس الموثوق في أذن طهران

بينما احتلت باكستان واجهة المشهد الدبلوماسي، عمل الدور المصري في عمق الظل بأثرٍ لا يقل حسمًا، وساهم الدبلوماسيون المصريون، بقيادة وزير الخارجية بدر عبد العاطي، في سد الفجوات بين المقترحات المتناقضة خلال المكالمات الجماعية التي ضمت نظراءه من باكستان وتركيا والولايات المتحدة وإيران، وظلت القاهرة تدفع باتجاه إجراءات بناء الثقة بمثابرة، مثل وقف مؤقت للضربات الأمريكية مقابل خطوات إيرانية محدودة في هرمز، وهو النهج ذاته الذي تبنّاه الاتفاق النهائي في جوهره. 

وكشف مسؤولون مصريون مشاركون في هذه الجهود للإذاعة الوطنية العامة الأمريكية أن إيران كانت منفتحة على هدنة لمدة 45 يومًا بشرط أن تضمن إنهاء دائمًا للحرب، مع استعداد لمناقشة إعادة فتح مضيق هرمز خلال تلك الفترة.  

إغلاق هرمز يضرب اقتصادات المنطقة في الصميم

وعلى الصعيد الميداني، أرسل الوسطاء المصريون والباكستانيون والأتراك إلى وزير الخارجية الإيراني عراقجي والمبعوث الأمريكي ويتكوف مقترحًا مشتركًا يدعو لوقف إطلاق النار وإعادة فتح المضيق، وفق ما أفاد به مسؤولان من المنطقة تحدثا بشرط إخفاء هويتيهما لوكالة أسوشيتدبرس؛ فمصر، التي تربطها بواشنطن علاقات استراتيجية راسخة، وتعلم تمامًا أن إغلاق هرمز يضرب اقتصادات المنطقة في الصميم، حملت إلى طاولة الوساطة ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا لا يمكن تجاهله.

خريطة المطالب: هوة سحيقة بين مقترحين

في السادس من أبريل، تلقى الجانبان الأمريكي والإيراني مقترح اتفاق إسلام آباد ذا المرحلتين على طرفي طاولة الوساطة، كانت الفجوة بين الموقفين تبدو في البداية مستحيلة الردم وبات التقريب بينهما ضربا من الخيال. تضمن المقترح الإيراني المرسل إلى واشنطن عبر إسلام آباد اشتراط رفع جميع العقوبات والقرارات الأممية المفروضة على إيران، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، مع مطالبة بانسحاب القوات الأمريكية من القواعد العسكرية في المنطقة وتعويضات عن أضرار الحرب، والإبقاء على حق إيران في تخصيب اليورانيوم. 

أما على الجانب الأمريكي، فأرسلت واشنطن إلى طهران عبر باكستان خطةً من 15 نقطة تتضمن مطالبة إيران بالتخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم مقابل تخفيف العقوبات، وفقا للإذاعة الوطنية العامة الأمريكية.

طهران لا تريد أن تجد نفسها في موقف مشابه لما حدث في غزة ولبنان

رفضت إيران في البداية الهدنة المؤقتة وطالبت باتفاق دائم، فيما وصفت مصادر أمريكية الرد الإيراني بأنه أساس قابل للتفاوض رغم صعوبته، وواجه الوسطاء معضلة جوهرية لا تقل صعوبة عن تقريب الموقفين: كيف يمكن إقناع طهران بأن أي هدنة ستصمد ولن تتكرر تجربتا غزة ولبنان. أوضح مسؤولون إيرانيون للوسطاء أن طهران لا تريد أن تجد نفسها في موقف مشابه لما حدث في غزة ولبنان، حيث يظل وقف إطلاق النار مجرد ورقة يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل تمزيقها في أي وقت، وفقا لتحليل موقع أكسيوس.

الطريق المسدود والاختراق الأخير

واجهت جهود الوساطة طريقا مسدودا في الأيام الأولى من أبريل، إذ رفضت طهران لقاءات مباشرة في إسلام آباد معتبرة المطالب الأمريكية (غير مقبولة)، وتوقفت حتى الرسائل غير المباشرة في بعض اللحظات لكن الضغط الباكستاني المستمر عبر اتصالات ليلية من المشير منير مع فانس وويتكوف أعاد الأمور إلى المسار. 

تدمير محطات الكهرباء والجسور الإيرانية

في يوم الأحد السادس من أبريل، أطلق ترامب تهديده بتدمير محطات الكهرباء والجسور الإيرانية، ووصف ما سيجري بـ«يوم الجسور ومحطات الكهرباء»، ثم في صباح الثلاثاء صعد الخطاب إلى مستوى غير مسبوق حين صرّح بأن حضارة بأكملها ستموت الليلة، كانت باكستان ومصر وتركيا تُصعِّد في الوقت ذاته ضغطها على الجانبين، مؤكدةً أن الـ48 ساعة القادمة تمثل الفرصة الأخيرة لتفادي كارثة إقليمية شاملة، وفقا لمجلة «تايم».

وفي الساعات الحاسمة من يوم الثلاثاء، اقترح شريف تمديدا لأسبوعين وتحدث مع ترامب مباشرةً قبيل الإعلان، أشارت مصادر مطلعة بالإدارة الأمريكية في تصريحات لموقع «أكسيوس» إلى أن أعضاء رئيسيين في فريق ترامب، في مقدمتهم نائب الرئيس فانس والمبعوث ويتكوف، كانوا ينصحون الرئيس بقبول أي صفقة ممكنة إذا توفرت الظروف المناسبة،  وأضافت شبكة سي إن إن أن بكين أسهمت هي الأخرى في دفع طهران نحو التفاوض، وهو ما أقرّ به ترامب حين قال لوكالة أسوشيتدبرس إنه «سمع» بتدخل صيني في هذا الاتجاه.  

وأعطى الجانب الإيراني الضوء الأخضر بعد مشاورات داخلية مضنية، مدفوعا بمخاوف حقيقية من تصعيد أكبر يشمل ضربات على منشآت الطاقة.

الهدنة: انتصار للجميع ومشكلات للجميع

نشر ترامب على «تروث سوشيال» قراره بتعليق الضربات على إيران لأسبوعين، مشترطًا موافقة طهران على الفتح الكامل الفوري والآمن لمضيق هرمز.  وعلى الفور، أعلن وزير الخارجية الإيراني عراقجي قبول بلاده للهدنة، مُعربًا عن امتنانه لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ومُعلنًا أن مرور السفن في مضيق هرمز سيكون ممكنًا لأسبوعين بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية. 

إسرائيل تخترق الهدنة

غير أن الساعات الأولى للهدنة كشفت عن تناقضات جوهرية، أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو دعمه لقرار ترامب، لكنه أصر على أن وقف إطلاق النار لا يشمل لبنان، في تناقض صريح مع ما أعلنه شهباز شريف من أن الهدنة تسري في لبنان وسائر المناطق، وبعد ساعات من الإعلان، استمرت صفارات الإنذار تدوي في الإمارات وإسرائيل والسعودية والبحرين والكويت، في مشهد يعكس الفوضى التي أحاطت باللحظة الدبلوماسية.  

رأى كل طرف ما يريد رؤيته في الاتفاق: أعلن ترامب عبر وكالة الأنباء الفرنسية انتصارا كاملا وتامًا بنسبة مئة بالمئة، فيما أصدر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بيانًا وصف فيه ما جرى بـ«الانتصار التاريخي»، مدعيا أن طهران أجبرت واشنطن على قبول إطارها التفاوضي. 

وتجلى التناقض في تفاصيل الصياغة أيضًا؛ ففي النسخة الفارسية من خطتها ذات النقاط العشر، أدرجت إيران عبارة «قبول التخصيب» المتعلقة بالبرنامج النووي، بينما غابت هذه العبارة غيابا لافتًا من النسخة الإنجليزية التي تداولها الدبلوماسيون الإيرانيون مع الصحفيين، وفقا لموقع دايلي بيست.

ما بعد الهدنة: إسلام آباد تنتظر والعالم يترقب

دعا رئيس الوزراء الباكستاني الجانبين الأمريكي والإيراني إلى إرسال وفديهما إلى إسلام آباد في العاشر من أبريل للتفاوض حول اتفاق نهائي يُسوّي جميع الخلافات، معربا عن تفاؤله بأن مباحثات إسلام آباد ستفضي إلى سلام مستدام.  

بيد أن الطريق أمام المفاوضين لا يزال شائكًا؛ فالاتفاق لا يحل الخلافات الجوهرية: المطالب الأمريكية بتفكيك القدرات النووية الإيرانية ووقف دعم الوكلاء في المنطقة، في مقابل المطالب الإيرانية برفع العقوبات والاعتراف بنفوذها الإقليمي. وشدد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في بيانه على أن الهدنة لا تعني إنهاء الحرب، مضيفا أن «الأيدي لا تزال على الزناد، وأن أدنى خطأ من جانب العدو سيقابل بالقوة الكاملة»،  
ووراء هذا النجاح المؤقت تكمن ديناميكيات إقليمية جديدة: فقد استغلت باكستان موقعها الجيوسياسي وقربها من إيران والصين لتصبح الجسر الرئيسي بين طرفين لا يتحدثان، بينما قدمت مصر المصداقية العربية والتوازن الدبلوماسي الذي تحتاجه أي تسوية مستدامة.

 ولم تكن الهدنة نتيجة ضغط عسكري وحده، بل ثمرة ساعات طويلة من الرسائل والمكالمات والمسودات التي مرت عبر القنوات المصرية-الباكستانية-التركية. والآن، يترقب العالم ما إذا كانت هذه الهدنة القصيرة ستتحول إلى تسوية تاريخية، أم ستعيد التوترات الاشتعال من جديد في منطقة لم تعرف الاستقرار منذ أشهر. في عالم الدبلوماسية السرية، أثبتت مصر وباكستان أنهما قادرتان وبهدوء على صنع التاريخ خلف الكواليس — رغم التحديات الهائلة التي لا تزال قائمة أمام مباحثات إسلام آباد المرتقبة.