الإثنين 06 أبريل 2026 الموافق 18 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

«السطو الكبير»… هل تحول البيت الأبيض إلى إمبراطورية عائلية؟

الرئيس نيوز

في تحقيق استقصائي، كشفت مجلة Le Point الفرنسية عن صورة صادمة لتحول طبيعة الحكم في الولايات المتحدة خلال سنوات ترامب، إذ لم يعد البيت الأبيض مركزا لاتخاذ القرار السياسي، بل تحول إلى “آلة نقدية” ضخمة تعمل لصالح الرئيس وعائلته. التحقيق، الذي يتقاطع مع تقديرات صادرة عن مجلة ذا نيويوركر ودوائر رقابية أمريكية، يرسم ملامح نموذج حكم غير مسبوق، تختلط فيه السلطة بالثروة، وتذوب فيه الحدود بين المصلحة العامة والمكاسب الخاصة.
 

من السلطة إلى الشبكة المالية
لم يكن الأمر مجرد استغلال عرضي للنفوذ، بل بناء منظومة مالية متكاملة انطلقت من داخل البيت الأبيض نفسه. فالعائلة الحاكمة—كما يصفها التقرير—لم تكتفي بإدارة الحكم، بل وظفت موقعها في قلب السلطة لتأسيس شبكة استثمارات معقدة، تمتد من العقارات إلى التكنولوجيا المالية، ومن صفقات الترخيص إلى الشراكات الدولية.
 

وتعتمد شبكة ترامب على تداخل مدروس بين القرار السياسي والفرص الاستثمارية، ما جعل من كل تحرك دبلوماسي أو اقتصادي محتمل بوابة لتحقيق عوائد مالية مباشرة أو غير مباشرة.
 

أرقام صادمة: مليارات من قلب السلطة
 

الأرقام التي يكشفها التحقيق تعزز خطورة الصورة. فقد حققت عائلة ترامب ما يقارب 3.4 مليار دولار خلال فترة وجوده في البيت الأبيض، وفق تقديرات متقاطعة، من بينها أكثر من 2.3 مليار دولار جاءت من قطاع العملات الرقمية وحده.
 

وتعكس هذه الأرقام تحولا نوعيا في طبيعة العلاقة بين الحكم والمال. فبدل أن تكون السلطة أداة لتنظيم الاقتصاد، أصبحت—بحسب التقرير—وسيلة مباشرة للمشاركة فيه وتحقيق أرباح هائلة.


العملات الرقمية: الرهان الأكبر
اللافت أن التحول الأكبر جاء من قطاع كان ترامب نفسه ينتقده سابقا وهو العملات المشفرة. خلال سنوات حكمه، دخلت العائلة هذا المجال بقوة، عبر إطلاق رموز رقمية تحمل اسم ترامب، وإبرام شراكات مع منصات مالية مدعومة جزئيا من أطراف خارجية. وهذه المشاريع، التي يصعب تتبع تدفقاتها المالية بدقة، تحولت إلى أحد أكبر مصادر الثروة للعائلة، لكنها في الوقت ذاته أثارت قلقا واسعا في الأوساط الاقتصادية، بسبب غياب الشفافية واحتمالات التلاعب بالسوق.
 

آليات الربح: صفقات، تراخيص، ونفوذ
لم تقتصر مصادر الأرباح على العملات الرقمية، بل شملت مجموعة واسعة من الآليات لما في ذلك اتفاقيات تراخيص تسمح باستخدام اسم ترامب في مشاريع دولية دون استثمار مباشر، علاوة على صفقات مع شركات أجنبية مرتبطة بمصالح اقتصادية وسياسية، واستثمارات في مشاريع عالية المخاطر مدعومة بنفوذ سياسي، وعلاقات مباشرة مع حلفاء دوليين قد تفتح ابوابا مالية مغلقة أمام غيرهم.


هذه الآليات، وفق خبراء أخلاقيات الحكم، تمثل حالة غير مسبوقة من تضارب المصالح، حيث يصبح صانع القرار هو ذاته المستفيد المالي من قراراته.


مار-أ-لاجو: مركز القوة غير الرسمي
في فلوريدا، يبرز نادي “مار-أ-لاجو” كرمز لهذا التحول. لم يعد مجرد مقر إقامة، بل مركزًا موازيًا للسلطة، حيث تعقد اللقاءات، وتبنى العلاقات، وتدار الصفقات. كما أن العضوية التي تصل إلى مليون دولار لم تعد مجرد اشتراك في ناد فاخر، بل بوابة للوصول إلى شبكة نفوذ تشمل رجال أعمال عالميين وقادة سياسيين. في هذا الفضاء المغلق، تختلط الدبلوماسية بالمصالح التجارية، في مشهد يعكس إعادة تعريف غير معلنة لكيفية ممارسة السلطة.


التداعيات السياسية: أزمة ثقة عابرة للأطلسي


لم تمر هذه الممارسات دون ردود فعل. في أوروبا، أثار التحقيق الفرنسي جدلا واسعا حول طبيعة النظام السياسي الأمريكي، بينما داخل الولايات المتحدة تصاعدت الدعوات لفرض قيود صارمة على الأنشطة المالية للرؤساء.


ويخلص التحقيق إلى أن البيت الأبيض، في تلك الفترة، لم يعد مجرد مؤسسة حكم، بل أصبح—فعليًا—أداة لتحقيق أرباح خاصة، وهو ما يهدد أحد أهم مبادئ الديمقراطية: الفصل بين السلطة والمصلحة.


ثلاث زوايا للأزمة
أولًا: البعد الأخلاقي
يقوض دمج السلطة السياسية مع الربح المالي المباشر ثقة المواطنين في المؤسسات، ويطرح تساؤلات حول نزاهة القرار السياسي.
 

ثانيًا: البعد الاقتصادي
دخول العائلة الحاكمة إلى سوق العملات الرقمية بهذا الحجم خلق تقلبات ملحوظة، وأثار مخاوف من استخدام النفوذ السياسي للتأثير على اتجاهات الاستثمار.
 

ثالثًا: البعد الدولي
ارتباط بعض هذه المشاريع بشركاء أجانب يفتح الباب أمام تساؤلات بالغة الحساسية وعلى رأسها: هل ظل القرار الأمريكي مستقلا بالكامل، أم تأثر بمصالح مالية عابرة للحدود؟
 

الطريق إلى الإمبراطورية


يشير التحقيق أيضا إلى أن هذا التوسع المالي تزامن مع إضعاف أدوات الرقابة، من خلال تعطيل بعض آليات مكافحة الفساد، وتقليص دور المؤسسات التي تراقب تضارب المصالح.
في هذا السياق، لم يعد السؤال فقط حول حجم الأرباح، بل حول البيئة التي سمحت بتحقيقها، ومدى قدرة النظام السياسي على تصحيح مساره.
 

تجدر الإشارة إلى أن تحقيق المجلة الفرنسية لا يتحدث عن حالة فردية بقدر ما يكشف عن تحول هيكلي في مفهوم السلطة. وما جرى خلال تلك السنوات يطرح سؤالا أعمق من مجرد أرقام أو صفقات: هل يمكن أن تتحول الرئاسة في أكبر ديمقراطية في العالم إلى مشروع استثماري شخصي؟


لكن الإجابة، كما يوحي هذا التحقيق، ليست مطمئنة. بل تفتح الباب أمام نقاش عالمي حول ضرورة إعادة رسم الحدود بين الحكم والمال، قبل أن يصبح “السطو الكبير” نموذجا قابلا للتكرار، لا مجرد استثناء في التاريخ السياسي الأمريكي.