الأحد 05 أبريل 2026 الموافق 17 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

من الضبعة لـ"بريكس".. كيف تعيد مصر وروسيا صياغة توازن القوى بالشرق الأوسط؟

الرئيس نيوز

تشهد العلاقات الروسية – المصرية تحولا ملحوظا في السنوات الأخيرة، إذ تسعى موسكو إلى تعزيز حضورها في مصر عبر مشاريع استراتيجية متعددة، فيما ترى القاهرة في هذا التعاون فرصة لتقوية موقعها الإقليمي والدولي، وفقًا لمحللي موقع يورآسيا ريفيو، المتخصص في الشؤون الجيوسياسية.

وتتمتع مصر بموقع جغرافي بالغ الأهمية عند ملتقى إفريقيا وآسيا، وهو ما يجعلها محط اهتمام القوى الكبرى. وفي الأثناء، تركز روسيا، التي ترتبط بعلاقات دبلوماسية طويلة الأمد مع القاهرة، بشكل خاص على التعاون الاقتصادي والاستثماري، إلى جانب اهتمامها بالبحر المتوسط كممر استراتيجي للتجارة والطاقة. ويحافظ الرئيس فلاديمير بوتين على اتصالات منتظمة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، للتشاور عن كثب ومناقشة القضايا الثنائية والتطورات الإقليمية، بما في ذلك الصراعات في الشرق الأوسط.

وفي يوم الخميس الماضي الموافق 2 من أبريل، التقى بوتين وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي في الكرملين، بحضور سيرجي لافروف ويوجي أوشاكوف من الجانب الروسي، والسفير حمدي شعبان من الجانب المصري. وأبرز الاجتماع أهمية المشاريع المشتركة، مثل محطة الضبعة النووية التي تضم أربعة مفاعلات من الجيل الثالث المطور (VVER-1200)، والتي تمولها روسيا بقرض قيمته 25 مليار دولار يُسدد على مدى 22 عاما. المشروع يمثل نقلة نوعية في مجال الطاقة لمصر، ومن المتوقع اكتماله بحلول عام 2028.

كما ناقش بوتين إنشاء المنطقة الصناعية الروسية على ضفاف قناة السويس، والتي تهدف إلى تعزيز التصنيع المحلي وجعل مصر مركزا إقليميا للإنتاج والتصدير. شركات روسية كبرى أبدت اهتماما بالمشاركة في هذه المشاريع، بما يعكس توسع الروابط الاقتصادية بين روسيا وإفريقيا.

إلى جانب التعاون الاقتصادي، تناول اللقاء الوضع في الشرق الأوسط، حيث شدد بوتين على أهمية دور مصر كدولة محورية في المنطقة، وأعرب عن استعداد روسيا للمساهمة في استقرار الأوضاع. كما دعا إلى مشاركة مصر بوفد رفيع المستوى في القمة الروسية – الإفريقية المقررة في أكتوبر 2026.

وتؤكد هذه التحركات أن روسيا ومصر شريكان موثوقان، يسعيان إلى تعزيز التعاون في مجالات التجارة والطاقة والأمن الغذائي. ومع تعداد سكاني يتجاوز 107 ملايين نسمة، تمثل مصر سوقا ضخمة وفرصة استراتيجية لموسكو، فيما يمنح التعاون مع روسيا القاهرة مساحة أوسع للمناورة في النظام العالمي متعدد الأقطاب.

وفي تقرير سابق، أكد محللو يورآسيا ريفيو أن العلاقات بين مصر وروسيا تشهد نموا متسارعا في السنوات الأخيرة، رغم التوترات التي تعيشها موسكو مع الغرب. فبعد الموقف الأولي لمصر بإدانة الحرب في أوكرانيا، سرعان ما اتخذت القاهرة موقفا محايدا، إدراكا منها لأهمية التعاون مع روسيا في مجالات حيوية مثل الطاقة، السياحة، الصناعة، والدبلوماسية. هذا التوجه يعكس رغبة مصر في تحقيق التوازن بين القوى الكبرى والاستفادة من الفرص الاقتصادية المتاحة.

يحتفل البلدان بمرور 80 عاما على العلاقات الدبلوماسية، حيث أكد وزيرا الخارجية في البلدين عمق الروابط التاريخية ورغبتهما في تعزيزها. وقد شهدت العلاقات تطورا ملحوظا منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحكم عام 2014، إذ حرص على بناء شراكة استراتيجية مع موسكو، تجسدت في مشاريع ضخمة مثل محطة الضبعة النووية، والمنطقة الصناعية الروسية في محور قناة السويس، وتطوير شبكة السكك الحديدية المصرية. اقتصاديا، أصبحت روسيا شريكا رئيسيا لمصر، إذ بلغ حجم التبادل التجاري 6.2 مليار دولار عام 2022، مع استثمارات روسية تتجاوز 7 مليارات دولار. كما تعتمد مصر بشكل كبير على واردات الحبوب الروسية لتلبية احتياجات سكانها، خاصة بعد تراجع الإمدادات الأوكرانية. إضافة إلى ذلك، ساهمت السياحة الروسية في إنعاش قطاع السياحة المصري، حيث ارتفع عدد الزوار الروس بشكل كبير بعد العقوبات الغربية على موسكو.

وفي المجال العسكري، وقعت مصر عدة عقود لشراء أسلحة روسية، ما يعكس عمق التعاون الأمني بين البلدين. كما انضمت مؤخرا إلى بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة "بريكس"، ومن المقرر أن تصبح عضوا كاملا في المنظمة بحلول نوفمبر 2024، وهو ما يعزز مكانتها كقوة إقليمية تسعى إلى دور أكبر. 

وترى القاهرة في موسكو شريكا استراتيجيا يساعدها على مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية، ويمنحها مساحة أوسع للمناورة بين القوى العالمية. هذه الشراكة المتنامية لا تعكس فقط مصالح مشتركة، بل أيضا رغبة مصر في استعادة مكانتها كدولة محورية في المنطقة والعالم.