الأربعاء 01 أبريل 2026 الموافق 13 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

خطة "أوديد ينون" 1982 تعود للواجهة.. ما هو مشروع إسرائيل الكبرى؟

الرئيس نيوز

مع اشتعال نيران الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، عاد مصطلح "إسرائيل الكبرى" إلى الواجهة بقوة غير مسبوقة، محملًا بتاريخ ثقيل من الجدل اللاهوتي والجغرافي والسياسي. فما هذا المشروع الذي يثير القلق الإقليمي، خصوصًا في ظل تمدد عسكري إسرائيلي على جبهات متعددة، وفقا لصحيفة Africa Is A Country المتخصصة في الشؤون الجيوسياسية.

جذور دينية وتاريخية

يستند المفهوم الأكثر توسعًا لـ"إسرائيل الكبرى" إلى آية توراتية في سفر التكوين (15: 18-21)، تروي عهد الله مع إبراهيم بمنح ذريته الأرض من نهر مصر (النيل) إلى الفرات. وهي أرض تشمل في حدودها القصوى أجزاء واسعة من مصر والعراق والأردن ولبنان وسوريا والمملكة العربية السعودية والأراضي الفلسطينية المحتلة. 

وقد أرسى ثيودور هرتسل، مؤسس الصهيونية الحديثة، هذا التصور منذ فجر القرن العشرين، حين خطط لطلب أرض من الحدود المصرية إلى الفرات. وفي العقود التالية، تعددت التفسيرات؛ فبينما يقتصر مفهومها الضيق على إسرائيل مضافًا إليها الضفة الغربية وغزة والجولان، يمتد المفهوم الأكثر تطرفًا ليشمل الأحلام التوسعية الكبرى. 

خطة أوديد ينون... الوثيقة التي هزت المنطقة

لا يكتمل الحديث عن "إسرائيل الكبرى" دون الإشارة إلى خطة أوديد ينون عام ١٩٨٢، التي نشرها صاحبها في مجلة "كيفونيم"، نشرة منظمة الصهيونية العالمية. كانت مقدمتها صريحة: تفتيت الدول العربية المجاورة إلى كيانات أصغر قابلة للسيطرة، كل على خطوط صدعها الطائفية والعرقية والجغرافية، حتى لا تتمكن أيٌّ منها من تشكيل تحديات جوهرية للهيمنة الإسرائيلية الإقليمية. ويرى المنتقدون أن هذه الخطة تفسر كثيرًا من التدخلات الإسرائيلية في المنطقة، وإن كانت المصادر الإسرائيلية السائدة تؤكد أن الرؤية القصوى لم تكن يومًا سياسة رسمية معلنة. 

تصريحات تشعل الغضب العربي

غير أن التصريحات الأخيرة أعادت بعث هذا الملف بحدة لافتة. ففي مقابلة مع المذيع الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون، رفض مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل، التبرؤ من المعتقد التوراتي بحق إسرائيل في كامل الأرض بين النيل والفرات، مؤكدًا أنه "لا بأس لو استولت عليها بأكملها"، مما أثار موجة غضب واسعة في دول المنطقة. 

ويرى الكاتب الفلسطيني جوان زريق في تحليله المنشور على منصة "Africa is a Country" أن هذا التصريح لم يكن مجرد زلة لسان، بل جاء متزامنًا مع كشف نتنياهو عن ما أسماه "سداسية التحالفات"، أي منظومة أمنية تضع إسرائيل في مركز شبكة تمتد لتشمل الهند واليونان وقبرص وعددًا من الدول العربية والأفريقية والآسيوية غير المسماة. والفرق بين التصريحين دقيق لكنه جوهري: هاكابي يُحدد الأرض المراد الاستيلاء عليها، أما نتنياهو فيُصمم المنظومة التي تجعل هذا الاستيلاء قابلًا للإدارة والتطبيع.

الحرب الإيرانية وإعادة رسم الخريطة على أرض الواقع

تحول الحديث النظري إلى وقائع ميدانية. ففي أعقاب الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة التي انطلقت في ٢٨ فبراير الماضي، أعلنت إسرائيل الحرب على حزب الله، مُفعِّلةً مخططًا مُعَدًّا مسبقًا بهدف تدمير المنظمة وتصفية النفوذ الإيراني وإخضاع لبنان. وبالتوازي مع ذلك، أغلقت إسرائيل المعابر على غزة من جديد وفرضت حصارًا عسكريًا شاملًا على الضفة الغربية.

ولكن الأرقام الميدانية لا تخطئها العين: منذ أكتوبر ٢٠٢٣ أُقيم ٥٩ بؤرة استيطانية جديدة غير قانونية في الضفة الغربية خلال عام ٢٠٢٤ وحده، فيما كانت ٥٠ ألف وحدة استيطانية على طريق الإقرار في ٢٠٢٥، وهو رقم يُمثل أربعة أضعاف الرقم القياسي السنوي السابق. وفي لبنان، نزح أكثر من ٥١٧ ألف شخص في أسبوع واحد فحسب، في ثاني موجة تهجير جماعي خلال أقل من عامين. 

"السداسية" ومنطق الإمبراطورية

وقدم جوان زريق في تحليله العميق صورة بانورامية للمشهد، إذ يرى أن السداسية الإسرائيلية ليست مجرد تحالف دفاعي، بل هي بنية إمبراطورية مدروسة: الهند توفر العمق التكنولوجي العسكري وإطارًا مشتركًا لتأطير حركات المقاومة بوصفها إرهابًا، واليونان وقبرص تمنحان الشرعية المتوسطية وجوار حلف الناتو، فيما تسعى اتفاقيات أبراهام إلى تحويل الحكومات العربية إلى شركاء في المنظومة الإسرائيلية، يتبادلون الصمت على التهجير الفلسطيني مقابل ضمانات أمنية وامتيازات اقتصادية. وفي هذا السياق، تبرز إيران بوصفها آخر العقبات الكبرى أمام هذا النظام الإقليمي الجديد.

مشروع حقيقي أم ذريعة؟

يظل الجدل قائمًا بين مدرستين: الأولى ترى في التصريحات والخرائط والحروب المتتالية أدلة متراكمة على مشروع توسعي منهجي. أما الثانية فتؤكد أن الرؤية القصوى لا تعدو كونها تفسيرًا دينيًا قوميًا هامشيًا لم يتحول قط إلى سياسة حكومية رسمية. غير أن الوقائع على الأرض، من غزة إلى بيروت إلى طهران، باتت تضيق هامش هذا الجدل يومًا بعد يوم. فبينما تتواصل الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يتساءل المراقبون إلى أي حدود تنتهي النزعة الدفاعية وأين تبدأ النزعة التوسعية وهل بات مفهوم "إسرائيل الكبرى" حدثًا تاريخيا يستحق الرصد، أم يظل مجرد نظرية قيد النقاش والأخذ والرد.