الثلاثاء 24 مارس 2026 الموافق 05 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

إخفاق مقلاع داؤود.. ثغرات في درع إسرائيل الجوي

الرئيس نيوز

تعرضت مدينتا ديمونة وعراد في جنوب إسرائيل لضربات صاروخية إيرانية أصابت مناطق سكنية قريبة من أحد أكثر المواقع حساسية في البلاد، وهو مركز الأبحاث النووية في صحراء النقب. وأسفرت الضربات عن إصابة عشرات الإسرائيليين وانهيار مبنى سكني، في مشهد نادر أثار قلقًا واسعًا داخل إسرائيل، حيث اعتاد الرأي العام على الاعتماد الكبير على منظومات الدفاع الجوي المتطورة. ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، فإن هذه الضربات تمثل اختراقًا غير مألوف لمنظومة الدفاع متعددة الطبقات في إسرائيل وتكشف حدود قدرتها على اعتراض الصواريخ الباليستية المتقدمة.
 

وقعت الضربات في وقت مبكر من الأسبوع الجاري، عندما تمكنت صواريخ باليستية إيرانية من تجاوز طبقات الدفاع الإسرائيلية والوصول إلى مناطق قريبة من ديمونة وعراد، وهي منطقة تعد من بين الأكثر تحصينًا بسبب قربها من المنشأة النووية الإسرائيلية الرئيسية. وتسببت الانفجارات في أضرار كبيرة بالمباني السكنية، بينما أظهرت صور الدمار حالة من الصدمة بين السكان. وبدا واضحًا أن المشاهد التي أعقبت الضربات هزت ثقة كثيرين في قدرة المنظومات الدفاعية على منع مثل هذه الاختراقات.
 

وأقر الجيش الإسرائيلي بمحاولته اعتراض الصواريخ لكنه فشل في إسقاطها. وتشير المعطيات إلى أن الضربتين وقعتا بفاصل زمني عدة ساعات، ما يوحي بحدوث خللين منفصلين في عملية الاعتراض وليس عطلًا تقنيًا واحدًا. وحتى الآن، لم تقدم السلطات العسكرية تفاصيل دقيقة حول أسباب الفشل، مكتفية بالإشارة إلى أن التحقيقات ما تزال جارية لتحديد ما إذا كان الخلل تقنيًا أم عملياتيًا.
 

مقلاع داود يتعثر
الضربات الأخيرة سلطت الضوء بشكل خاص على أداء منظومة "مقلاع داود"، وهي النظام المصمم لاعتراض الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى. فشل هذا النظام في إسقاط الصواريخ الإيرانية حول الحادثة إلى أزمة ثقة داخل إسرائيل، بعدما رُوِّج له لسنوات باعتباره عنصرًا محوريًا في الدرع الصاروخي للبلاد. تقارير متعددة تحدثت عن أن كثافة الهجمات الإيرانية وضعت المنظومة تحت ضغط غير مسبوق، فيما أقر الجيش الإسرائيلي بوجود خلل في عملية الاعتراض.
 

كما أشارت تقارير إلى أن بعض الصواريخ ربما مرت دون اعتراض بسبب نقص نسبي في الصواريخ الاعتراضية بعد أسابيع من الهجمات المتواصلة. هذا الاحتمال أثار نقاشًا واسعًا داخل إسرائيل حول مدى قدرة منظومة الدفاع على الصمود في حرب طويلة، خاصة عندما تتعرض لهجمات كثيفة ومتزامنة.
 

منظومة متعددة الطبقات تحت الاختبار
على مدى سنوات، قامت إسرائيل ببناء شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات تعتمد على عدة أنظمة متكاملة. تتولى القبة الحديدية اعتراض الصواريخ قصيرة المدى، بينما صُمم مقلاع داود للتعامل مع التهديدات المتوسطة والبعيدة، في حين تتولى منظومة حيتس اعتراض الصواريخ الباليستية الإستراتيجية خارج الغلاف الجوي.
 

لكن الهجوم الإيراني الأخير كشف أن هذه الشبكة، رغم تقدمها التكنولوجي، ليست محصنة بالكامل. فالهجمات الكثيفة والمتزامنة يمكن أن تربك أي نظام دفاعي مهما بلغت كفاءته، خاصة عندما تتضمن صواريخ باليستية متطورة قادرة على المناورة أثناء الطيران.
 

حسابات الصواريخ المكلفة
التقارير أثارت أيضًا احتمال أن تكون إسرائيل قد امتنعت عن استخدام بعض أنظمتها الاعتراضية الأكثر تطورًا، مثل منظومة آرو-3 المصممة لاعتراض الصواريخ خارج الغلاف الجوي، بسبب التكلفة العالية لكل عملية اعتراض. فهذه الصواريخ الاعتراضية تُعد من بين الأغلى في العالم، واستخدامها المكثف قد يؤدي إلى استنزاف المخزون بسرعة في حرب طويلة.
 

يعكس هذا الاعتبار الاستراتيجي معضلة تواجهها إسرائيل منذ بداية المواجهة مع إيران: الدفاع الصاروخي ليس موردًا غير محدود. فكل عملية اعتراض تتطلب قرارًا محسوبًا يأخذ في الاعتبار المعارك القادمة، وليس فقط الهجوم الجاري.
 

تداعيات سياسية داخل إسرائيل
انعكس الاختراق الصاروخي سريعًا على النقاش الداخلي في إسرائيل. وسائل الإعلام العبرية تحدثت عن حالة قلق متزايد داخل المؤسسة العسكرية والسياسية من قدرة إيران على تجاوز الدفاعات الجوية. واستغلت المعارضة الحادثة لانتقاد الحكومة، معتبرة أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا المتقدمة لم يضمن الحماية الكاملة للمدن الإسرائيلية.
 

في المقابل، حاولت القيادة العسكرية التقليل من تأثير الحادثة، مؤكدة أن المنظومة الدفاعية ما تزال فعالة وأن نسبة الاعتراض الإجمالية للصواريخ الإيرانية تتجاوز 90 في المئة. لكن الاعتراف بحدوث إخفاقات نادرة كان كافيًا لإثارة تساؤلات حول مدى استدامة هذا التفوق الدفاعي إذا استمرت الحرب لفترة طويلة.
 

صورة الردع تحت الضغط
لطالما قدمت إسرائيل نفسها كقوة عسكرية قادرة على حماية أراضيها عبر شبكة دفاعية متطورة. غير أن الضربات الأخيرة قرب ديمونا وعراد أضعفت هذه الصورة إلى حد ما، وأظهرت أن حتى الأنظمة الأكثر تقدمًا يمكن أن تتعرض للاختراق في ظروف معينة.
 

وبالنسبة لإيران، شكلت هذه الضربات رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد: كثافة الهجمات وتطور الصواريخ يمكن أن يغيرا قواعد المواجهة. أما بالنسبة لإسرائيل، فقد أعادت الحادثة فتح نقاش استراتيجي حول كيفية الحفاظ على التفوق الدفاعي في حرب طويلة الأمد.
 

اختبار للتحالفات الدفاعية
وضعت الحادثة التعاون الدفاعي بين إسرائيل والولايات المتحدة تحت المجهر. فالعديد من الأنظمة المستخدمة في شبكة الدفاع الجوي الإسرائيلية تم تطويرها بتمويل أو دعم تقني أمريكي، ما يجعل أي إخفاق ميداني موضوعًا للنقاش داخل الأوساط العسكرية في واشنطن.
في الوقت نفسه، تسعى إسرائيل إلى تعزيز مخزونها من الصواريخ الاعتراضية عبر التنسيق مع الولايات المتحدة للحصول على إمدادات إضافية، في خطوة تعكس إدراكا متزايدا بأن الصراع الحالي قد يطول أكثر مما كان متوقعا.