ماذا وراء تراجع الذهب لأقل من 5000 دولار للأوقية؟
شهدت أسعار الذهب مؤخرا موجة انخفاض حادّ أثارت دهشة المستثمرين العالميين. وانخفضت الأوقية إلى ما دون ٤٥٠٠ دولار هذا الأسبوع، بعد أن سجل المعدن النفيس أسوأ أداء أسبوعي منذ عام ١٩٨٣ بالأرقام بانخفاض بلغ ١١٪ في أسبوع واحد، ما حوّى مكاسب شهرين كاملين إلى خسائر متسارعة في السوق. هذا التراجع جاء رغم تدهور الأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهو أمر غير معتاد في الأسواق المالية التي تربط عادة بين الأزمات والصعود في أسعار الذهب، وفقا لمجلة كيتكو المتخصصة في أسواق المعادن الثمينة.
لكن المفارقة هي رؤية الحرب تضعف الذهب بدل أن ترفعه، إذ أن المنطق التقليدي يقول إن الحروب والمخاطر الجيوسياسية تدفع الذهب للارتفاع لأن المستثمرين يبحثون عن ملاذ آمن. لكن ما حدث في هذا النزاع تحديدًا مع إيران كشف عن واقع مختلف تمامًا.
بداية، أدت الحرب إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، إذ تجاوز سعر البرميل مستوى ١٠٠ دولار وسط مخاوف من تعطيل إمدادات الطاقة، خاصة مع الإغلاق المحتمل لمضيق هرمز، وهو معبر استراتيجي لنحو خمس تجارة النفط العالمية.
هذا الارتفاع في أسعار الطاقة زاد المخاوف من تضخم عالمي دفع البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا ومجلس الاحتياطي الفيدرالي في أمريكا إلى تثبيت الفائدة في اجتماعاتهم نهاية الأسبوع الماضي، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة.
وفي الأسواق المالية، صار من المرجح أن البنوك المركزية، وخاصة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ستبقى أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول لتقليل التضخم. وقد خفضت الأسواق توقعات خفض الفائدة في ديسمبر إلى نحو ١٣٪ فقط، بعد أن كانت أعلى بكثير.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يعني أن المستثمرين يفضلون الأصول التي تدر عائدًا، مثل السندات وأدوات النقد قصيرة الأجل، بدل الذهب الذي لا يدر عائدا. هذا ما يدفع جزءًا كبيرًا من السيولة بعيدًا عن المعدن النفيس، مما يضغط على الأسعار هبوطيا.
ماذا حدث فعليًا في السوق؟
مع بداية الحرب، ارتفع الذهب سريعًا من نحو ٥٢٩٦ دولارًا إلى ٥٤٢٣ دولارًا، لكن هذا الارتفاع لم يستمر. انعكس السعر بحدة، هابطًا أكثر من ٦٪ من أعلى مستوى يومي، مع توجه المتداولين إلى بيع العقود الورقية لجمع السيولة بسبب مطالبات الهامش، بينما ظل سوق الذهب الفعلي (المعدن نفسه) في مستويات أعلى نسبيًا. هذه الإشارات المتناقضة بين السوقين أظهرت توترًا في ديناميكيات الأسعار نفسها.
كما دفع الضغط في صناديق الاستثمار المُدعومة بالذهب (ETFs) إلى مزيد من الانخفاض. فقد باع صندوق SPDR Gold Trust أكثر من ١٫١٥ طن من الذهب في جلسة واحدة، ليقلص حيازاته إلى أقل من ١،٠٧٠ طن، مما زاد من التراجع في الأسعار.
في جلسات لاحقة، انتعشت الأسعار قليلًا بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي عن وقف مؤقت للضربات العسكرية ضد البنية التحتية الإيرانية، ما خفف بعض المخاوف التضخمية مؤقتًا، لكن الاتجاه العام ظل هبوطيًا بفعل عوامل أعمق.
الدولار والسيولة تنتصران
تجدر الإشارة إلى أن أحد أهم العوامل التي ضغطت على أسعار الذهب هو قوة الدولار الأمريكي. عندما يرتفع الدولار، يصبح الذهب الذي يُسعّر بالدولار أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، مما يقلل الطلب عليه على المستوى العالمي. في نفس الوقت، يتجه المستثمرون نحو الدولار كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين، ما يعزز قوة العملة الأمريكية مقارنة بالمعدن النفيس.
وجعلت زيادة العائدات على سندات الخزانة الأمريكية الذهب أقل جاذبية نسبيًا. فعندما تقدم السندات عائدًا جيدًا، يبتعد المستثمرون عن الأصول التي لا تدر عائدًا مثل الذهب، لأنهم يفضلون استثمار رأس المال في أدوات تنتج دخلا ثابتًا.
الضبابية التضخمية تعيق الذهب
على الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط يرفع مخاوف التضخم، إلا أن التضخم المرتفع لا يفيد الذهب في ظل أسعار فائدة مرتفعة. الذهب يتأثر عادة بفرص خفض الفائدة، لأنه يخسر جاذبيته عندما تكون تكلفة الفرصة البديلة (الفائدة المفقودة مقارنة بالعائد على الأصول الأخرى) مرتفعة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فقد ساهمت الحرب في زيادة مخاطر التضخم، لكن في الوقت نفسه دفعت البنوك المركزية إلى تثبيت أو رفع أسعار الفائدة بدل خفضها، ما جعل الذهب في وضع غير موات رغم التوترات الكبرى في الأسواق العالمية.
تحليل الخبراء: صعود طويل المدى مقابل هبوط قصير
يرى عدد من الخبراء أن التحركات الحالية لا تعني نهاية دور الذهب. يقول بعض محللي الأسواق إن التراجع الحاد يمثل عملية تصحيح أو تفريغ لمراكز المضاربة، خاصة بعد الصعود الكبير الذي شهدته الأسعار في العامين الماضيين، عندما تجاوز الذهب ٥٦٠٠ دولارًا في يناير ٢٠٢٦ قبل أن يبدأ الهبوط.
ووفقا لموقع بيزنس إنسايدر، يشير الخبراء أيضًا إلى أن العوامل الهيكلية طويلة المدى لم تتغير:
البنوك المركزية العالمية لا تزال تشتري الذهب كجزء من احتياطياتها الدولية.
العجز المالي الأمريكي لا يتراجع، ما يدفع الطلب على الذهب كتحوط ضد الديون.
التوترات الجيوسياسية العالمية لا تهدأ، وهو ما يبقي الذهب في مركز الحماية.
لكن في المدى القصير، يرى هؤلاء أن تقلبات السوق والسيولة المطلوبة من المستثمرين قد تدفع الأسعار أحيانًا إلى مزيد من الانخفاض قبل أن تستقر أو تعاود الارتفاع.
ولا يدل تراجع أسعار الذهب إلى ما دون ٥٠٠٠ دولار في آخر جلسات أمريكا الشمالية على ضعف المعدن كملاذ آمن، لكنه يعكس تعقيدات السوق المعاصرة. وثمة عوامل تشمل قوة الدولار، وارتفاع أسعار الفائدة، وعمليات البيع المكثف من قبل الصناديق الكبرى، وضبابية السياسات النقدية جميعها ساهمت في هذا الهبوط، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع مخاوف التضخم.
يبقى الذهب في النهاية أحد أهم أصول التحوط في الأسواق المالية، لكنه يتأثر أيضًا بسلوك المستثمرين والسياسات الاقتصادية العالمية بطريقة قد تبدو أحيانًا معاكسة للتوقعات التقليدية. في المدى الطويل، تشير اتجاهات الشراء من قبل البنوك المركزية والتحديات الاقتصادية الكبرى إلى أن الذهب قد يشهد عودة للصعود عندما يتضح مسار التضخم وأسعار الفائدة بوضوح أكبر.