الخميس 12 مارس 2026 الموافق 23 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

البنتاجون يعترف: صاروخ أمريكي يتسبب في ضربة مميتة على مدرسة إيرانية

الرئيس نيوز

في واحدة من أكثر حالات الاعتراف العسكري إحراجًا في تاريخ الحروب الأمريكية الحديثة، أقر البنتاجون بأن صاروخ توماهوك أمريكي هو المسؤول عن تدمير مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة مينب الإيرانية في الساعات الأولى من الحرب التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب على إيران، مما أودى بحياة ما يزيد على 175 شخصًا، الغالبية العظمى منهم أطفال، وفقًا لما نقلته صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين مطلعين على النتائج الأولية للتحقيق، بحسب صحيفة الإندبندنت البريطانية.

بيانات استخباراتية متقادمة وراء الكارثة

تبدو الصورة التي رسمتها نتائج التحقيق الأولي للبنتاجون مؤلمة في تفاصيلها؛ إذ تبين أن وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية كانت تمتلك بيانات استهداف قديمة تصنف مبنى مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية كجزء من القاعدة العسكرية للحرس الثوري الإيراني المجاورة لها.

وقد نقلت الوكالة هذه البيانات المتقادمة إلى القيادة المركزية الأمريكية التي أدرجت المدرسة ضمن حزمة الاستهداف، فأطلقت صاروخ توماهوك الذي اخترق سماء مينب — تلك المدينة الواقعة على بعد نحو ألف كيلومتر جنوب طهران، قرب مضيق هرمز — صبيحة يوم 28 فبراير، وهو مطلع الأسبوع العمل الإيراني، حين كانت قاعات الدراسة تعج بالمعلمين والطالبات.

ترامب يتنصل.. وصواريخ توماهوك تفضحه

ما زاد المشهد تعقيدًا وإحراجًا أن ترامب لم يكتفِ بإنكار المسؤولية، بل حاول إلصاق التهمة بإيران نفسها، مدعيًا في مؤتمر صحفي أن إيران "تمتلك بعض صواريخ توماهوك"، في ادعاء كاذب يعرفه الجميع، إذ تختص هذه الصواريخ بالاستخدام الأمريكي وعدد محدود من الحلفاء مثل المملكة المتحدة.

وحين ضغط الصحفيون على ترامب بأن حتى وزير دفاعه بيت هيغسيث لم يجرؤ على توجيه أصابع الاتهام نحو طهران، أجاب ترامب ببساطة مثيرة للدهشة: "لأنني لا أعلم بما يكفي عن هذا الأمر." وحين سئل عن تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في طريقه إلى أوهايو، اكتفى بالقول: "لا أعلم شيئًا عن ذلك."

أدلة لا تكذب.. وصور لا تخطئ

في حين كانت الإدارة الأمريكية تمارس فن التنصل، كانت الأدلة تتراكم بصمت على الجانب الآخر. فقد راجع محللون مستقلون صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وخلصوا إلى أن المدرسة تعرضت لضربة دقيقة النوع ربما تكررت أكثر من مرة.

وأظهرت خرائط وزارة الدفاع الأمريكية وجود هدفين لمنظومة الدفاع الجوي الإيراني يُحيطان بموقع المدرسة، الواقعة أصلًا ضمن ما يُصنّفه البنتاجون "منطقة ضربات أمريكية إسرائيلية". كما كشف تحليل صور الأقمار الصناعية عن تدمير ستة مبانٍ على الأقل تابعة للحرس الثوري في المنطقة ذاتها، فضلًا عن المدرسة.

وفي سياق موازٍ، أصدر سينتكوم بيانًا يُحذّر فيه المدنيين الإيرانيين من الاقتراب من الموانئ العسكرية، ملمحًا إلى أن استخدام المنشآت المدنية لأغراض عسكرية يجردها من الحماية القانونية الدولية — في رسالة بدت وكأنها تمهيد مسبق لتبرير ضربات مستقبلية قد تطال بنى تحتية مدنية أخرى.

الأطفال ثمنًا للأخطاء الاستخباراتية

يعيد هذا الحادث المأساوي إلى الأذهان سؤالًا جوهريًا طالما أثار جدلًا في الأوساط العسكرية والحقوقية حول مدى موثوقية الاستهداف الآلي المدفوع بالذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت الرقابة البشرية تكفي لتفادي مثل هذه الكوارث.

فالتحقيق الأولي يشير إلى احتمالين لا ثالث لهما: إما أن المنظومة الآلية للاستهداف أخفقت في التحقق من صلاحية البيانات، أو أن خطأً بشريًا أفضى إلى استخدام خرائط عفا عليها الزمن دون مراجعة.

وفي الحالتين، دفع أطفال بريئون الثمن الأفدح لأخطاء مكاتب ومنظومات تعمل على بُعد آلاف الكيلومترات من ساحة المأساة — لتبقى صورة أربعة أعمدة دخان أسود تتصاعد فوق فناء مدرسة بنات في مينب شاهدًا صارخًا على فداحة التكلفة الإنسانية لحرب أشعلها قرار سياسي في واشنطن.