غارات عسكرية تستهدف قطاع التعليم في الضفة الغربية
لم تعد الجامعات في الضفة الغربية فضاءات للتعلم والبحث العلمي، بل أصبحت في بعض الأحيان مسرحًا لعمليات عسكرية مفاجئة تقطع إيقاع الحياة الأكاديمية.
وتشهد اقتحامات متكررة واشتباكات داخل الحرم الجامعي وتعطلًا للدراسة يتأثر به آلاف الطلاب.
وفي قلب هذه التطورات تقف جامعة بيرزيت، إحدى أعرق مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية، كنموذج صارخ لتحول الفضاء الأكاديمي إلى ساحة توتر دائم، في مشهد يثير تساؤلات واسعة حول مستقبل التعليم وحق الطلاب في بيئة جامعية آمنة.
اقتحام مفاجئ لقاعات العلم
في وقت مبكر من العام الجاري، كان الطلاب يجلسون داخل قاعات المحاضرات في جامعة بيرزيت شمال رام الله، بينما يواصل الأساتذة شرح دروسهم في يوم دراسي عادي. لكن المشهد تغيّر بسرعة عندما اقتحمت آليات جيش الاحتلال الإسرائيلي البوابة الرئيسية للجامعة بعد تحطيمها، قبل أن تنتشر القوات داخل الحرم الجامعي.
ودوت القنابل الصوتية في ساحات الجامعة، وارتفع صوت إطلاق الرصاص في الهواء، ما تسبب بحالة من الذعر بين الطلبة.
وخلال دقائق قليلة تحولت ساحات الجامعة إلى ساحة توتر أمني بدلًا من كونها مساحة أكاديمية.
وأفادت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أن ثلاثة طلاب أُصيبوا بطلقات نارية في أرجلهم، بينما تعرض خمسة آخرون للاختناق نتيجة الغاز المسيل للدموع، إضافة إلى إصابة ثلاثة أشخاص بشظايا القنابل الصوتية.
وقال أحد الطلاب الذين كانوا داخل قاعة الامتحان لحظة الاقتحام إنه اضطر إلى تسليم ورقة امتحانه فارغة والخروج مسرعًا من المبنى ليجد القوات العسكرية أمامه مباشرة.
وأضاف أن القنابل الصوتية انفجرت حول الطلاب، فيما حاول بعض الأساتذة التحدث مع الجنود لتهدئة الموقف.
توقيت يحمل رسائل سياسية
ووفقًا لصحيفة ميدل إيست مونيتور اللندنية، لم يكن توقيت العملية عشوائيًا؛ فقد جاء الاقتحام بعد فعالية طلابية تضامنية مع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، كما تزامن مع عرض فيلم يتناول قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب التي أثارت قصتها تعاطفًا واسعًا في الأوساط الفلسطينية.
في المقابل، قالت القوات الإسرائيلية إن العملية جاءت لتفريق تجمع اعتبرته "داعمًا للإرهاب"، وهو توصيف رفضه عدد من الطلاب والناشطين الذين أكدوا أن الفعالية كانت ذات طابع تضامني وسياسي داخل الحرم الجامعي.
الاقتحام السادس والعشرون
لم يكن اقتحام جامعة بيرزيت حادثة معزولة. فقد أشار خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في بيان صدر في يناير 2026 إلى أن العملية تمثل الاقتحام السادس والعشرين للحرم الجامعي منذ عام 2002، وهو ما يعكس نمطًا متكررًا من العمليات العسكرية داخل المؤسسات التعليمية الفلسطينية.
وتكشف البيانات المتعلقة بالسنوات الأخيرة حجم التصعيد؛ فبين أكتوبر 2023 وديسمبر 2025 قُتل 37 طالبًا جامعيًا في الضفة الغربية، وأصيب 259 آخرون، إضافة إلى اعتقال 463 طالبًا، من بينهم 148 طالبًا من جامعة بيرزيت وحدها.
كما شملت الاعتقالات 27 من أعضاء الهيئة التدريسية، وُضع كثير منهم رهن الاعتقال الإداري، وهو إجراء يسمح بالاحتجاز لفترات طويلة دون توجيه اتهامات رسمية أو إجراء محاكمة.
جامعات تحت الضغط
ولا يقتصر الأمر على جامعة بيرزيت؛ فقد طالت العمليات العسكرية عددًا من المؤسسات التعليمية في الضفة الغربية، بينها جامعة القدس وجامعة الخليل وجامعة النجاح الوطنية في نابلس، إضافة إلى جامعة القدس المفتوحة ومؤسسات تعليمية أخرى.
وتشير تقارير إلى أن حرم جامعة القدس في بلدة أبو ديس شرق القدس تعرض لعدة اقتحامات خلال عام 2025 وحده، ما يعكس تصاعد التوتر داخل الفضاءات الأكاديمية.
"الإبادة التعليمية"
في توصيفهم لهذه الظاهرة استخدم خبراء الأمم المتحدة مصطلح الإبادة التعليمية (Scholasticide)، وهو مفهوم يشير إلى التدمير الممنهج للمنظومة التعليمية عبر استهداف الطلاب والمعلمين والبنية التحتية الأكاديمية.
ويرى الخبراء أن هذه الممارسات لا تقتصر آثارها على تعطيل الدراسة فحسب، بل تمتد إلى تقويض البيئة الفكرية التي تنتج المعرفة والنقاش العام والوعي السياسي داخل المجتمع.
كما أكدت منظمات تعليمية دولية أن اقتحام الجامعات يمثل انتهاكًا واضحًا لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، داعية الحكومات والمؤسسات الأكاديمية إلى اتخاذ خطوات لضمان بقاء المؤسسات التعليمية مناطق آمنة بعيدة عن النزاعات العسكرية.
خسائر بشرية كبيرة
تعكس بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حجم الخسائر التي تعرض لها قطاع التعليم خلال السنوات الأخيرة. فقد بلغ عدد الطلاب الشهداء في مختلف المراحل التعليمية نحو 18،979 طالبًا، إضافة إلى 1،399 طالبًا جامعيًا.
كما استشهد 797 معلمًا وموظفًا إداريًا، إلى جانب 241 موظفًا في قطاع التعليم العالي، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي يواجهها النظام التعليمي الفلسطيني.
وفي الضفة الغربية تحديدًا لا تزال عشر مدارس تابعة لـ وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس مغلقة بسبب العمليات العسكرية، ما حرم أكثر من أربعة آلاف طفل من التعليم المباشر وأجبرهم على الاعتماد على التعليم عن بُعد أو الدراسة في مرافق مؤقتة.
وأوضح مسؤولون في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية أن طلابًا في شمال الضفة فقدوا أسابيع كاملة من الدراسة خلال بعض الفصول الدراسية بسبب العمليات العسكرية المتكررة، ما أدى إلى فجوات تعليمية واضحة لدى كثير من الطلبة.
نمط العمليات يتسع
تربط تقارير حقوقية ما يحدث في الضفة الغربية بتطور العقيدة العسكرية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة.
فقد وثّقت منظمة بتسيلم أن جيش الاحتلال الإسرائيلي بدأ يستخدم في الضفة الغربية تكتيكات عسكرية مشابهة لتلك التي استخدمها في قطاع غزة، بما في ذلك الغارات الجوية داخل المناطق المدنية المكتظة.
ووفقًا لهذه التقارير، نُفذت 69 غارة جوية في الضفة الغربية بين أكتوبر 2023 ومارس 2025، ما أسفر عن مقتل 261 شخصًا بينهم 41 قاصرًا.
ويمثل هذا الرقم ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بالفترة الممتدة بين عامي 2005 و2023، التي شهدت 14 حالة وفاة فقط نتيجة غارات مماثلة.