الثلاثاء 03 مارس 2026 الموافق 14 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

هرمز يشتعل: إغلاق شريان النفط العالمي يضع الاقتصاد الدولي على حافة العاصفة

الرئيس نيوز

أشعلت التطورات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أخطر مواجهة بحرية منذ سنوات، بعدما أعلنت طهران وقف الملاحة في مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره أكثر من خمس تجارة النفط المنقول بحرا في العالم.  

ونقلت مجلة دير شبيجل الألمانية عن خبراء قولهم إن توقف حركة السفن جعل المضيق مغلقا عمليا أمام ناقلات النفط والتجارة الدولية، ما ينذر بتداعيات اقتصادية تتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى قلب النظام المالي العالمي.

يربط مضيق هرمز الخليج العربي بالمحيط الهندي، ويشكل المنفذ البحري الوحيد لصادرات الطاقة من السعودية والعراق والكويت وقطر والإمارات وإيران. وتمر عبر هذا الشريط البحري الضيق نحو عشرين مليون برميل نفط يوميا، أي قرابة عشرين في المئة من الاستهلاك العالمي، وفقا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. تعبر كذلك نسبة تقارب خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، خصوصا من قطر التي تعتمد بشكل شبه كامل على هذا المسار لتغذية الأسواق الآسيوية والأوروبية.

وقد يعني أي توقف طويل في الملاحة تعطيل جزء ضخم من الإمدادات العالمية، ويعني كذلك رفع كلفة التأمين البحري إلى مستويات قياسية، ما ينعكس مباشرة على أسعار الشحن وسلاسل التوريد. وتدفع الشركات تكاليف إضافية مقابل المخاطر، ثم تمررها بدورها إلى المستهلك النهائي.

صدمة فورية في أسواق الطاقة

وتستجيب أسواق النفط بسرعة لأي توتر في الخليج. يقفز سعر البرميل فور تصاعد المخاطر، لأن المتداولين يسعرون احتمال النقص قبل حدوثه فعليا. ويؤدي الإغلاق الكامل إلى خلق فجوة بين العرض والطلب، خصوصا إذا تزامن مع اضطرابات في مناطق إنتاج أخرى، وتستقبل الأسواق العالمية أسبوع التداول الجديد بارتفاع النفط الأمريكي، خام غرب تكساس الوسيط، بارتفاع بنحو 4 بالمئة أعلى من 70 دولار للبرميل، وختم برنت بارتفاع مماثل لأعلى من 76.6 دولار للبرميل.

وتتلقى آسيا الضربة الأكبر، لأن أكثر من ثمانين في المئة من النفط والغاز العابر عبر هرمز يتجه إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. وتعتمد هذه الاقتصادات الصناعية على تدفق مستقر للطاقة، ويؤدي أي ارتفاع حاد في الأسعار إلى زيادة تكاليف الإنتاج والشحن، ما يضغط على النمو ويعيد شبح التضخم. 

بدائل محدودة وخيارات ضيقة

وتملك السعودية خط أنابيب يربط حقولها النفطية بميناء على البحر الأحمر، وتملك الإمارات خطا يصل إلى الفجيرة خارج الخليج، لكن الطاقة الاستيعابية لهذه البدائل لا تعوض الكميات الضخمة التي تمر عبر المضيق يوميا. وتفتقر دول أخرى مثل العراق والكويت وقطر إلى بدائل بحرية حقيقية، ما يجعلها رهينة مباشرة لحالة الملاحة في مضيق هرمز.

وتواجه إيران نفسها معضلة مزدوجة، إذ تعتمد على الممر ذاته لتصدير نفطها رغم العقوبات. ويؤدي أي إغلاق طويل إلى تقليص عائداتها ويضع اقتصادها تحت ضغط داخلي، في وقت تسعى فيه إلى استخدام الورقة البحرية كورقة ردع سياسية.

انعكاسات أوروبية عميقة

لا تستورد بعض الدول الأوروبية كميات مباشرة كبيرة من نفط الخليج عبر هرمز، لكنها تتأثر فوريا بارتفاع الأسعار العالمية. ويرتفع سعر الوقود في محطات البنزين، وتزداد كلفة النقل البحري والبري، وتنعكس الزيادة على أسعار الغذاء والصناعة. تعيد هذه التطورات التضخم إلى الواجهة في اقتصادات تحاول تثبيت استقرارها بعد أزمات متتالية.

وتدرك العواصم الأوروبية أن تنويع مصادر الطاقة لا يلغي الاعتماد على ممرات استراتيجية حساسة. يكشف إغلاق هرمز أن الانتقال إلى الطاقة النظيفة ما زال في مراحله الانتقالية، وأن النفط والغاز يظلان عنصرين حاسمين في معادلة الاستقرار الاقتصادي.

البعد الجيوسياسي واحتمالات التصعيد

ويرتبط إغلاق المضيق بسياق أوسع من التوترات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات والصراعات الإقليمية. وتستخدم طهران ورقة الملاحة لإيصال رسالة ردع مفادها أن أي استهداف مباشر لأراضيها سيقابله تهديد لأمن الطاقة العالمي. في المقابل، تحذر واشنطن من أن تعطيل الملاحة الدولية يشكل خطا أحمر قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع.

وتتحرك الدبلوماسية الدولية في سباق مع الزمن لاحتواء التصعيد، لأن استمرار الإغلاق أسابيع قليلة فقط قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، ويهدد بحدوث ركود في عدد من الاقتصادات الكبرى.

وتكشف أزمة التهديد بإغلاق مضيق هرمز مرة جديدة هشاشة الاقتصاد العالمي أمام صدمات جيوسياسية مركزة في نقطة جغرافية ضيقة. يقرر شريط مائي لا يتجاوز عشرات الكيلومترات مصير الاستقرار المالي لمليارات البشر، ويذكر العالم بأن أمن الطاقة يظل حجر الزاوية في معادلة القوة.