الأحد 15 فبراير 2026 الموافق 27 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
سياسة

نقابة الصحفيين ترفض تحويل "الإذن المسبق للتصوير" إلى قيد عام على حرية الصحافة

الرئيس نيوز

أصدرت نقابة الصحفيين، بيانًا مساء اليوم الأحد، عبرت فيه عن متابعتها باهتمام بالغ الاقتراحات المقدمة إلى لجنة الثقافة والسياحة والآثار والإعلام بمجلس الشيوخ، بشأن الاقتراح برغبة المقدَّم من النائب ياسر جلال، والمتعلّق باشتراط الحصول على إذن مسبق للتصوير أو التسجيل أو النشر، وكذلك الاقتراح المقدم من النائب ناجي الشهابي بشأن ضبط الأداء المهني لبعض الممارسات الصحفية والإعلامية.

وقالت النقابة: “في البداية، لا بد من التأكيد على أن الحياة الخاصة مقدسة ومصونة، والنقابة في طليعة المدافعين عنها”، مشيرة إلى أن انتهاك حرمة الحياة الخاصة هو جريمة الجرائم في ميزان المهنة، والنقابة لا تألو جهدًا في التصدي لأي ممارسات تمس كرامة المواطنين أو تنتهك خصوصيتهم، سواء صدرت عن صحفيين أو غيرهم، وآخرها بيان النقيب قبل يومين في التعامل مع واقعتي "أتوبيس النقل" و"شاب بنها".

واستكمل البيان: كما تدرك النقابة أن المقترحات لا تزال في مرحلتها الإجرائية الأولى، فإنها تؤكد أن تحويل هذا التصوّر إلى قاعدة عامة وملزمة تحكم ممارسة الحق في المجال العام المفتوح، يثير إشكاليات دستورية وحقوقية جدية، ويكشف عن تناقض صارخ مع مسار الإصلاح التشريعي الذي تتبناه النقابة والمؤسسات الرسمية.

أولًا: المقترحات الحالية تسير في الاتجاه المعاكس لتوصيات المؤتمر العام وكذلك لجنة تطوير الإعلام الحكومية. 

تؤكد النقابة أن ما يُطرح حاليًا من مقترحات لفرض قيود على التصوير والنشر، يتعارض تمامًا مع التوصيات الصادرة عن المؤتمر العام لنقابة الصحفيين، والذي يمثل الإرادة الجماعية للجماعة الصحفية المصرية، كما يتعارض مع مخرجات لجنة تطوير الإعلام المشكلة من مجلس الوزراء، والتي تضم في عضويتها ممثلين عن الهيئات والجهات والنقابات المعنية بالعمل الصحفي.

وقد أوصت هذه اللجنة الممثلة لمختلف التوجهات والخبرات بضرورة إعادة النظر في القيود الواردة بالمادة (12) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام، والتي تفرض على الصحفيين الحصول على تصاريح مسبقة للتصوير والعمل في الشارع. إن تبني مقترحات تزيد من هذه القيود يمثل تجاهلًا واضحًا لرغبة الجماعة الصحفية، ولجهود الخبراء الذين كلفتهم رئاسة مجلس الوزراء بوضع رؤية متكاملة لتطوير الإعلام المصري.

ثانيًا: التمييز الجوهري بين التنظيم المشروع والرقابة السابقة الممنوعة
تؤكد النقابة أن التنظيم التشريعي للحقوق أمر مشروع من حيث المبدأ، غير أن هذا التنظيم لا يجوز أن يتحول إلى اشتراط إداري سابق على مباشرة الحق ذاته. فالتمييز بين تنظيم الحق والرقابة السابقة عليه تمييز جوهري في الفقه الدستوري، وتتحقق الرقابة السابقة متى أصبحت ممارسة الحق مرهونة بموافقة أو إذن قبل وقوع الفعل التعبيري أو التوثيقي، بما يجعل أصل الحرية خاضعًا لإرادة إدارية سابقة، ولا يجوز أن تُقيَّد ممارسة الحقوق والحريات بما يمس أصلها أو جوهرها.

ثالثًا: الإطار الدستوري واضح.. الحرية هي الأصل
إن الإطار الدستوري في هذه المسألة واضح وحاسم، فلا يجوز الالتفاف عليه:

· المادة (65) من الدستور تكفل حرية الفكر والرأي والتعبير بكافة وسائله، بما في ذلك الوسائل البصرية.
· المادة (70) تقرر حرية الصحافة وسائر وسائل الإعلام.
· المادة (71) تحظر فرض رقابة على وسائل الإعلام أو تعطيلها إلا في حالات استثنائية محددة وبحكم قضائي.
· المادة (68) تنص على أن المعلومات والوثائق الرسمية ملك للشعب، وأن الإفصاح عنها حق تكفله الدولة وينظمه القانون.

وتؤكد النقابة أن هذه النصوص تقرر أن الحرية هي الأصل، وأن القيود استثناء محدود يُفسَّر تفسيرًا ضيقًا ويخضع لمعياري الضرورة والتناسب، ولا يجوز أن يمتد إلى جوهر الحق أو يُفرغه من مضمونه.

رابعًا: الالتزامات الدولية لمصر تقطع بعدم جواز الإذن المسبق

لا ينفصل هذا النقاش عن المعايير الدولية المستقرّة لحرية التعبير وتداول المعلومات، والتي انضمت إليها مصر وأصبحت جزءًا من التزاماتها القانونية الدولية. فقد نصت المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 على أن حرية التعبير تشمل التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها بأية وسيلة يختارها الشخص، وأكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة أن القيود لا تكون مشروعة إلا إذا كانت محددة بنص واضح، وضرورية، ومتناسبة مع هدف مشروع.

خامسًا: توثيق المواطن حق وليس جريمة.. والصحفي ليس بحاجة لـ"تصريح"
تؤكد النقابة رفضها القاطع لأي مقترح يمكن أن يُقيد حق المواطن العادي في توثيق الأحداث من حوله بهاتفه المحمول، خاصة في قضايا الفساد أو المخالفات أو الأحداث الطارئة، فقد أصبح توثيق المواطنين عينًا للدولة والمجتمع على ما يحدث في الشارع.
كما تؤكد النقابة أن اشتراط الإذن المُسبق كقاعدة عامة في المجال العام، يُعد قيدًا سابقًا على ممارسة الحق؛ لأنه قد يمنع الصحافة والجمهور من توثيق الأحداث، ومراقبة الشأن العام، وكشف الانتهاكات. وأي قيد عام عليه ينعكس مباشرة على شفافية المجال العام وقدرة المجتمع على المساءلة.

سادسًا: النقابة هي المعنية بالقواعد المهنية والمواثيق.. وسبقنا في وضع مواثيق ومبادرات مهنية لحماية الخصوصية وضبط التصوير

تؤكد النقابة أن التنظيم المهني المسؤول لا يُفرض من الخارج، بل ينبثق من وجدان المهنة ذاتها. وفي هذا الإطار، تفتخر النقابة بأنها سبّاقة في وضع الأطر المنظمة للعمل الصحفي، وقد بادرت بالتعاون مع الهيئات الإعلامية المعنية إلى:

· تطوير مقترح متكامل لميثاق شرف صحفي يراعي التطورات التكنولوجية الهائلة في مجال العمل الصحفي، ويضع ضوابط واضحة تحمي الحياة الخاصة، وتنظم التعامل مع المحتوى الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي. والمقترح جاهز ومتاح للحوار المجتمعي.
· قيام شعبة المصورين الصحفيين بالنقابة، بالتعاون مع الجهات المعنية، بوضع إطار تنظيمي وقواعد مهنية دقيقة لتنظيم التصوير في الأماكن العامة والخاصة، بما يحقق التوازن بين حق المجتمع في المعرفة، وواجب احترام خصوصية الأفراد.
· إعداد مدونات سلوك مهنية متخصصة تراعي خصوصية العمل الصحفي في مختلف المجالات.

سابعًا: المحاسبة النقابية هي الضمان الحقيقي لضبط الأداء
تشدد النقابة على أن كل هذه الأطر المهنية والمدونات ليست حبرًا على ورق، فهي تخضع لآليات محاسبة صارمة عبر لجنة القيم ولجنة التأديب بالنقابة، واللتين تملكان سلطة توقيع الجزاءات، التي تصل إلى حد الشطب من جداول النقابة. إن الضبط المهني الحقيقي يتم من خلال نقابة تملك أدوات المساءلة، لا عبر تشريعات تفرض وصاية على حرية الصحافة.

ثامنًا: الترحيب بأي مقترحات لضبط الأداء مع اعتبار ذلك مسئولية النقابة بالتعاون مع مختلف المؤسسات
تؤكد النقابة ما أقره الدستور فيما يخص حرية ممارسة العمل الصحفي، وكذلك ضرورة حماية الحق في حرية الرأي والتعبير، وتشدد النقابة على أن إزالة القيود على النشر ليست استثناء يخص الصحفيين. وفي هذا السياق، فإننا نؤكد أن ما ورد على لسان النائب ياسر جلال من تأكيد على استثناء الصحفيين المقيدين بجداول النقابة من أي قيود محتملة، وما يمثله من  تقدير للنقابة وأعضائها يجب أن يمتد لكل مَنْ يعبر عن الرأي في إطار الدستور والقانون.

وبخصوص مقترح النائب ناجي الشهابي، تؤكد النقابة أن ضبط الأداء المهني للصحفيين هو اختصاص أصيل لنقابة الصحفيين وحدها، عبر ميثاق الشرف المهني ولجان القيم والنزاهة الداخلية. والنقابة منفتحة على أي اقتراحات في هذا الشأن في إطار النص الدستوري عن أنها المختصة بمحاسبة أعضائها تأديبيا، وهي لا تدخر جهدًا في محاسبة أي صحفي يثبت تجاوزه لخطوط المهنة الحمراء.
تاسعًا: البدائل التشريعية الصحيحة
ترى النقابة أن معالجة أي إشكاليات تنظيمية لا تكون بفرض قيود عامة، بل عبر مسارين متوازيين:
1. تفعيل القوانين القائمة، التي تجرّم انتهاك حرمة الحياة الخاصة والتشهير، فهي كافية لمعالجة أي تجاوزات فردية.
2. الإسراع في استكمال الإطار التشريعي المنصوص عليه في المادة (68) من الدستور عبر إصدار قانون متكامل لتداول المعلومات، يحقق التوازن بين متطلبات التنظيم، وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات، دون المساس بحرية التعبير.

عاشرًا: الدعوة لحوار مجتمعي موسع وموقف واضح

تدعو نقابة الصحفيين إلى نشر أي مشروع تعديل للحوار المجتمعي قبل إقراره، والمشاركة الفاعلة في هذا النقاش التشريعي، بجانب نقابة الإعلاميين والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لضمان الخروج بصياغات تحقق التوازن المنشود بين الحفاظ على الحقوق والحريات.

كما تهيب النقابة بالنواب من الصحفيين والإعلاميين في مجلسي النواب والشيوخ، أن يُجسّدوا خبراتهم المهنية في الدفاع عن بيئة قانونية تحمي حرية العمل الإعلامي، وأن يدعموا أي مسار تشريعي يعزّز الشفافية ويصون الحق في المعرفة، وأن يضعوا نصب أعينهم توصيات المؤتمر العام للصحفيين، ومخرجات لجنة تطوير الإعلام، التي أجمعت على ضرورة إزالة القيود لا زيادتها.

واختتمت نقابة الصحفيين بيانها مؤكدة أن حرية التعبير وتداول المعلومات التزام دستوري وحقوقي واجب الاحترام، وأي تنظيم يجب أن يظل خادمًا لهذا الالتزام، لا بديلًا عنه ولا شرطًا سابقًا عليه. وستتقدم النقابة بمذكرة رسمية إلى لجنة الإعلام بمجلس الشيوخ تتضمن رؤيتها التفصيلية، محمّلة أعضاء اللجنة المسئولية التاريخية في الحفاظ على حرية الصحافة المصرية.