خالد الشافعي: مصر تستحق إدارة اقتصادية متكاملة تترجم الإمكانات إلى نتائج حقيقية.. وقناة السويس غير مستغلة بالشكل الأمثل (حوار)
توريق الأصول وجذب تمويلات لتطويرها بديل أفضل من "البيع المباشر"
بعض المشروعات العقارية أقيمت دون دراسات دقيقة لحجم الطلب
إنشاء بورصات سلعية الحل لضبط بوصلة الأسعار ومنع التذبذب
المشكلة ليست في الاقتراض وإنما في كيفية توظيفه
زيادة الصادرات لأفريقيا إلى 50 مليار دولار سنويا يعوض الفجوة الدولارية
الاعتماد على الاستهلاك المحلي وحده لم يعد كافيا لمجابهة التحديات الراهنة
القروض الأجنبية لا بد أن تكون محسوبة بدقة وتُوجه لمشروعات إنتاجية
بعد تشكيل الحكومة الجديدة، يظهر الملف الاقتصادي جليًا، كما تبرز التحديات التي أصبحت الشغل الشاغل للمواطنين، في ظل تذبذب الأسعار ومخاطر جيوسياسية خانقة تعبث بمقدرات وطموحات الدول الناشئة، وضغوط كبيرة كالتي نعيشها منذ عامين نتيجة تأثر قناة السويس بالتوترات الإقليمية، وهو ما انعكس على الإيرادات الدولارية وسعر الصرف.
وعلى مدار الأشهر الماضية، كان الجدل دائرًا حول عدالة تسعير الخدمات والسلع، وآليات سداد الدين العام الذي يلتهم ثمار التنمية بفاتورة مرتفعة لخدمته، إضافة إلى ملف الطروحات الحكومية والاستثمارات الأجنبية الذي يسيطر على المشهد.
وتستمع «الرئيس نيوز» إلى آراء الخبراء والمحللين حول ما يحتاجه الاقتصاد المصري، وكيف يمكن الخروج من عنق الزجاجة.
وأكد الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، في حواره مع «الرئيس نيوز»، أن مصر لن تتعثر أبدًا، فلديها من المقومات ما يجعلها «خزائن الأرض»، ولكن ما نحتاجه هو أفكار خارج الصندوق تعيد إدارة موارد الدولة لرفع الإيرادات، وبالتالي تحسين مؤشرات الاقتصاد المصري ورفاهية المواطنين.
في البداية.. ماذا عن رأيك في المجموعة الاقتصادية الجديدة لإدارة المرحلة الحالية؟
ج: نعم، كنا في حاجة حقيقية إلى مجموعة اقتصادية تمتلك رؤية مختلفة وقادرة على التفكير خارج الصندوق، لأن الاعتماد على الاستهلاك المحلي وحده لدفع النمو لم يعد كافيًا لتمكين الاقتصاد المصري من مجابهة التحديات الراهنة، وعلى رأسها أزمة الدين الحكومي.
مصر تستحق فريقًا اقتصاديًا قادرًا على إدارة الساحة الاقتصادية بكفاءة أعلى، خاصة أن الدولة تمتلك مقومات قوية من بنية تحتية متطورة وموقع جغرافي فريد وضعها بالفعل على خريطة الاستثمارات العالمية.
س: في رأيكم.. ما هي الآليات لتعظيم الموارد الاقتصادية؟
ج: القارة الأفريقية تمثل أحد أهم الملفات القادرة على إنهاء جزء كبير من أزمة مصر الاقتصادية، بشرط وجود استراتيجية واضحة لفتح الأسواق أمام المنتج المصري وتعزيز التواجد الصناعي والتجاري هناك، إذ يمكن زيادة الصادرات إليها إلى نحو 50 مليار دولار سنويًا، بما يعوض الفجوة الحالية في الإيرادات الدولارية. كما أن استغلال الموقع الجغرافي وتعزيز العلاقات مع دول الجوار يدعمان النمو السريع للاقتصاد المصري في مواجهة المخاطر والتحديات الدولية.
س: ولكن ألا ترى أن مصر تعزز تواجدها على الساحة العالمية في جذب استثمارات ضخمة خلال الفترة الأخيرة؟
ج: بالفعل، أنا متفائل بالعام الجاري لإعادة وضع مصر في الموقع الذي تستحقه اقتصاديًا، ولكن لا يزال أمامنا الكثير من العمل لاستغلال الموقع والموارد وحسن توظيفها.
س: كيف ترى ملف الدين الحكومي والاستثمارات الأجنبية، حيث طالعنا الكثير من المقترحات، منها المقايضة الكبرى؟
ج: هناك أفكار كثيرة لمواجهة أزمة الدين بما يجنبنا ارتفاع تكلفة الاقتراض، من خلال السعي للاقتراض بتكلفة منخفضة وتوجيه جزء كبير من الدين الحكومي إلى استثمارات بالعملة الأجنبية، بما ينعكس على تطوير الطاقة الإنتاجية وزيادة الصادرات، وبالتالي سداد الدين وتحقيق وفورات. المشكلة ليست في الاقتراض بحد ذاته، وإنما في كيفية توظيفه لتحقيق عائد مستدام.
س: وماذا عن القروض الأجنبية وتكلفتها؟
ج: القروض الأجنبية لا بد أن تكون محسوبة بدقة، خاصة مع وجود رسوم تصل إلى نحو 5% مرتبطة بالتصنيف الائتماني، ما يفرض ضرورة توجيه هذه القروض إلى مشروعات إنتاجية حقيقية قادرة على توليد عائد دولاري، وليس فقط مشروعات استهلاكية أو غير قابلة للتصدير.
س: كيف تقيّم ملف العقار حاليًا؟
ج: هناك تخوف حقيقي من تكوّن فقاعة عقارية، خاصة في ظل صعوبة تسويق العقار أو تصديره بالشكل المطلوب. بعض المشروعات التنموية أُقيمت دون الاعتماد على دراسات دقيقة لحجم الطلب الحقيقي، وهو ما خلق فجوة بين المعروض والقدرة على التسويق.
س: وماذا عن عدم انضباط الأسعار في السوق حاليًا على الرغم من تراجع التضخم؟
ج: هناك مشكلة واضحة في غياب نظام متكامل وقاعدة بيانات دقيقة، سواء في ملفات السلع الاستراتيجية مثل الدقيق والسكر، أو في آليات الرقابة بشكل عام. الإدارة الحديثة تعتمد على البيانات، وبدونها يصعب اتخاذ قرار اقتصادي سليم.
س: وما الحل إذًا لضبط بوصلة الأسعار، حيث نطالع يوميًا طفرة في سلعة ما، كالدواجن أو السكر، ثم انخفاضًا كبيرًا مع تدخل الدولة؟
ج: مقترحي هو إنشاء بورصات سلعية لضبط الأسعار ومنع التفاوتات والتذبذب في الأسواق، عبر خلق آليات شفافة لتداول السلع وربطها بمؤشرات العرض والطلب. هذا لا يحافظ فقط على أسعار عادلة للمستهلك، بل يدعم القطاع الصناعي عبر رؤية أوضح للتكلفة والأسواق.
س: ننتقل إلى ملف الطروحات وجذب الاستثمار الأجنبي، هل هو المخرج الوحيد من الأزمة الراهنة
ج: مصر تمتلك أصولًا ضخمة، لذلك أرى أن البديل الأفضل هو توريق الأصول وجذب تمويلات تسهم في دفع إنتاجيتها وتطويرها، بدلًا من البيع المباشر للمباني الحكومية أو المشروعات الإنتاجية. فقد تابعنا أداء الشركات التي تم بيعها خلال السنوات الماضية، وحققت طفرات نمو نتيجة ضخ السيولة فيها. لذلك فإن التوريق سيوفر التمويل اللازم للتطوير بما يحقق عوائد مستمرة قد تصل إلى مليارات الجنيهات، ولدينا حاليًا الصندوق السيادي الذي يجب الاستفادة منه في إدارة تلك الملفات الدقيقة.
س: كيف ترى أداء السياسة النقدية؟
ج: أداء السياسة النقدية أفضل نسبيًا مقارنة بالسياسات الأخرى، لكن لا يمكن تحميلها وحدها عبء الإصلاح. مصر تمتلك «خزائن الأرض»، والاستثمار الأجنبي بطبيعته يذهب إلى أكثر الأماكن أمنًا، ومصر لا تزال من أكثر الدول جذبًا للاستثمار رغم التحديات، لذلك فإن التكامل بين السياسة النقدية والمالية وزيادة الاحتياطيات النقدية سيعزز من قدرة مصر الاقتصادية.
س: ماذا تعني بـ«خزائن الأرض»؟
ج: هذا مصطلح يعكس مدى غنى مصر بالموارد والإمكانات الاستثمارية الضخمة، سواء في الموارد الطبيعية أو العقارية أو السياحية، واستغلالها بشكل كفء يمكن أن يعزز بشكل كبير موارد العملة الصعبة ويسهم في التنمية المستدامة.
س: ولكن الاقتصاد لا يزال متأثرًا بخسائر الإيرادات الضخمة لقناة السويس في ظل التحديات، رغم التعافي التدريجي الحالي؟
ج: قناة السويس لا تزال غير مستغلة بالشكل الأمثل، فنحن نتحدث عن عشرات الكيلومترات غير المستغلة اقتصاديًا، كان يمكن أن تتحول إلى مناطق صناعية ولوجستية تدر عوائد ضخمة، وتخلق فرص عمل، وتدعم الصادرات.
س: ما الحلول العاجلة من وجهة نظرك؟
ج: الحل المؤقت والعاجل هو إعادة صياغة رؤية اقتصادية واضحة يشعر معها المواطن والمستثمر بوجود اتجاه محدد وإدارة قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة. مصر تستحق أكثر من الوضع الحالي، لكنها تحتاج إدارة اقتصادية متكاملة تترجم الإمكانات إلى نتائج حقيقية تنتقل مباشرة إلى المواطن المصري الذي عانى وتحمل الكثير خلال الفترات الماضية، وهو ما يحرص الرئيس السيسي على التأكيد عليه في كافة لقاءاته، لذلك نحتاج إدارة قوية لتنفيذ ذلك.
س: كيف ترى مستقبل النمو في مصر؟
ج: الاقتصاد المصري يسير نحو الاستقرار والتنوع، مع توقعات بزيادة النمو في السنوات المقبلة مدفوعة بتحسن المؤشرات الاقتصادية العامة وتوازن العملات الأجنبية مقابل الجنيه، لكن تظل هناك ضغوط على السيولة الدولارية تحتاج إلى مراقبة مستمرة.




