كواليس طائرة إبستين الخاصة من تجنب التتبع إلى البيع بسوق الخردة
في عام 1969، استقبلت السماء طائرة من طراز بوينج 727-100، كانت مقدرا لها أن تصبح رمزا للفخامة والفضيحة على حد سواء. تم صنع الطائرة ثلاثية المحركات في إطار خط إنتاج بوينج الذي غير وجه الطيران التجاري، حيث أجرت أول رحلة تجريبية لها في 25 يونيو من ذلك العام تحت راية شركة ترانس وورلد إيرلاينز، وفقا صحيفة نيويورك تايمز.
وكانت الطائرة، التي حملت رقم N908JE، مصممة لنقل نحو 200 راكب في رحلات قصيرة ومتوسطة المدى، وتميزت بتصميم داخلي عملي يعكس عصر السبعينيات. وخدمت ضمن أسطول تراني وورلد حتى عام 1979، حيث ساهمت في ثورة الطيران المدني بتكلفتها المنخفضة وكفاءتها، قبل أن تنتقل إلى الخدمة الخاصة في عام 1998.
وتحولت الطائرة، التي كانت في البداية رمزا للتقدم التكنولوجي، تدريجيا إلى شاهد على أسرار مظلمة، حيث أصبحت ملكا لجهات خاصة قبل أن تقع في يدي الملياردير جيفري إبستين، كما تشير بيانات موقع بوينج الرسمي، وفقا لتقرير نيويورك تايمز.
مع دخول القرن الجديد، اشترى جيفري إبستين الطائرة في عام 2001 عبر إحدى شركاته JEGE Inc.، وهي شركة مسجلة في ديلاوير، وأعاد تجهيزها بتصميم داخلي فاخر يشمل سريرا كبيرا وغرفة اجتماعات، مما جعلها تبدو كقصر طائر من عصر السبعينيات مع مقاعد مخملية حمراء وديكور يذكر بالفخامة المفرطة.


وأطلق عليها الإعلام الأمريكي لقب "لوليتا إكسبريس"، المستوحى من رواية الأمريكي الروسي فلاديمير نابوكوف عن علاقة جنسية مع قاصر، بسبب تورطها في نقل فتيات قاصرات إلى جزيرة إبستين الخاصة في جزر العذراء الأمريكية، المعروفة باسم "جزيرة الرذيلة".
وسجلت الطائرة آلاف الساعات الطيران سنويًا، حيث كان إبستين يسجل نحو 600 ساعة طيران كل عام، وهو رقم يثير دهشة الخبراء في عالم الطيران الخاص، إذ يقول خبير الطيران جيمس ماكلوسكي في مقابلة مع نيويورك بوست إن هذا الاستخدام المكثف للغاية يتجاوز بكثير ما يعتبر طبيعيا بالنسبة لأي طائرة خاصة، مشيرًا إلى أنه يعكس نمط حياة مفرط في التنقل يتجاوز الحاجات التجارية العادية.

وغالبًا ما كانت تحمل ضيوفًا بارزين مثل الرئيس السابق بيل كلينتون، الأمير أندرو، والممثل كيفن سبيسي. كشفت سجلات الطيران عن أكثر من 2600 رحلة بين 1995 و2019، بما في ذلك رحلات من مطار تيتربورو في نيوجيرسي، الذي كان مركزًا لعمليات إبستين، وكانت الطائرة تستغل سياسات اتحادية غامضة تسمح بإخفاء الحركات عن السجل العام، مما ساعد في التهرب من التتبع.

ومع تصاعد الفضائح حول إبستين، الذي أدين في 2008 بتهم الاعتداء الجنسي على قاصرات، أصبحت "لوليتا إكسبريس" دليلًا رئيسيًا في التحقيقات. وكشفت الوثائق القضائية أن الطائرة كانت تستخدم لنقل ضحايا محتملات، مع وجود موظفين على متنها لضمان توافر الفتيات عند الوصول، وكانت إجراءاتها المريبة تشمل الهبوط في مطارات إقليمية غير مزدحمة مثل مطار سانت توماس في جزر العذراء أو برونزويك في جورجيا، مما يقلل من فرص التتبع والمراقبة الرسمية، كما أفادت تقارير مجلة وايرد التي استندت إلى سجلات الطيران، حيث كانت هذه المطارات تمنح خصوصية أكبر مقارنة بالمطارات الكبرى مثل جون إف كينيدي أو لوس أنجلوس.
وسافرت ناديا مارسينكو، إحدى أبرز الشخصيات في قضية إبستين، على متنها، وكانت الطائرة جزءًا من أسطول إبستين الذي يشمل طائرة أخرى من طراز جلف ستريم وطائرات أخرى. في عام 2016، أجرت آخر رحلة لها من غرب بالم بيتش في فلوريدا إلى برونزويك في جورجيا، حيث توقفت عن الطيران وتراكمت عليها رسوم شغل مكانها بالمطار بآلاف الدولارات، وبيعت في 2017، ثم اشترتها شركة World Aviation Services في مارس 2020 بنية إعادة بيعها أو استخدام أجزائها، لكن ارتباطها بإبستين حال دون ذلك، مما أدى إلى قرار تفكيكها وتخريدها في يناير 2024، حيث أصبحت خردة في مطار برونزويك الإقليمي، كما وثقت صحيفة ميامي هيرالد الأمريكية.
في عامي 2025 و2026، عادت "لوليتا إكسبريس" إلى الأضواء مع إفراج وزارة العدل الأمريكية عن ملايين الوثائق المتعلقة بإبستين، بما في ذلك 3 ملايين وثيقة وصور وفيديوهات، وفقًا لقانون شفافية ملفات إبستين الذي وقعه الرئيس دونالد ترامب في نوفمبر 2025.
وكشفت هذه الملفات عن صلات أعمق لشخصيات بارزة، مثل إيلون ماسك الذي نفى زيارة الجزيرة أو الطائرة رغم رسائل إلكترونية تظهر تنسيق رحلات في 2012-2013، وبيل جيتس الذي ذكر في مراسلات، وهوارد لوتنيك، وزير التجارة لدى ترامب، الذي خطط لزيارة الجزيرة في 2012.

وأيضًا، كشفت عن رحلات إضافية لدونالد ترامب على طائرة أخرى سابقة لإبستين في 2024، لكن ليست "لوليتا إكسبريس"، وظهور جون فيلهان، سكرتير البحرية، في سجلات طيران عام 2006.
وتضمنت الوثائق صورًا من داخل الطائرة وكمبيوتر إبستين، مما أثار انتقادات للتعديلات الثقيلة و"الادعاءات غير الحقيقية" حسب وزارة العدل، وأبرزت آراء خبراء مثل الخبير في الطيران الخاص جون سميث في تقرير لسي إن إن يصف عدد الساعات الطيران بأنه "غير طبيعي تمامًا لطائرة خاصة"، مشيرًا إلى أنه يشير إلى شبكة تنقلات سرية تجاوزت الحدود التجارية، وفقا لشبكة بي بي سي نيوز.
ومع اقتراب نهاية قصة "لوليتا إكسبريس"، تظل الطائرة شاهدًا على شبكة معقدة من القوة والفساد، حيث أدت الوثائق الأخيرة في 2026 إلى تدقيق جديد في صلات شخصيات مثل أندريس باسترانا، رئيس كولومبيا السابق، الذي سافر على متنها إلى كوبا في 2002، وبيل كلينتون الذي ذكر في السجلات. وأثارت الوثائق جدلًا حول "الذنب بالارتباط"، كما وصفته مجلة أتلانتيك، مع نفي ماسك لأي تورط حقيقي رغم "المراسلات القليلة".
وفي فبراير الجاري، أشارت تقارير إلى موقع إلكتروني جديد يسمح بتصفح سجلات الطيران كأنه جوجل فلايتس، مما يعيد تسليط الضوء على أنماط الرحلات التي ساعدت المدعين في إثبات الاتجار بالجنس، وكشفت عن إجراءات مريبة مثل تجهيز الطائرة بأرضيات مبطنة وسرير ملكي لأنشطة جنسية جماعية، كما وصفتها ضحايا في شهادات لصحيفة الغارديان، التي أكدت أن هذه التجهيزات كانت جزءًا من نظام يضمن الخصوصية التامة أثناء الرحلات.
ورغم تفكيكها، الذي تم ربما لإخفاء أدلة مادية لا حصر لها وفقا لمحاميي الضحايا، تبقى "لوليتا إكسبريس" رمزا للأسرار المخفية في عالم النخبة، حيث يستمر الجدل حول ما إذا كانت ملفات إبستين المفرج عنها كافية لتحقيق العدالة أم مجرد إلهاء.