الجمعة 06 فبراير 2026 الموافق 18 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

من إبستين إلى داونينج ستريت: هل تقود علاقة ماندلسون لزلزال يطيح بستارمر؟

الرئيس نيوز

يواجه المشهد السياسي في بريطانيا منذ أسابيع أزمة سياسية غير مسبوقة مع تصاعد تداعيات علاقة اللورد بيتر ماندلسون بالملياردير الأمريكي المثير للجدل جيفري إبستين والغموض الذي يلف ترشيحه سفيرا للمملكة المتحدة في واشنطن في عهد رئيس الوزراء كير ستارمر. 

لكن الأزمة، وفقا لصحيفة ذا تايمز، اكتسبت زخما جديدا بعد نشر دفعة من الوثائق المتعلقة بإبستين التي كشفت عن رسائل واتصالات بين ماندلسون وإبستين حتى بعد إدانة الأخير في الولايات المتحدة، مما أثار تساؤلات حادة حول الحكم السياسي في داونينج ستريت وسبل اتخاذ القرار في المناصب العليا في الحكومة البريطانية. 

وتفاقم هذا الجدل إلى مستوى يؤثر على مصداقية ستارمر ويهدد مستقبله السياسي في ظل الانتقادات المتصاعدة داخل البرلمان وخارجه. 

ووفقا لبي بي سي، تعود جذور الأزمة إلى قرار ستارمر في عام ألفين وأربعة وعشرين بتعيين ماندلسون سفيرا لدى الولايات المتحدة، في خطوة رأى البعض أنها محاولة لتعزيز العلاقات عبر الأطلسي واستثمار خبرة دبلوماسية طويلة لدى ماندلسون الذي سبق له تولي مناصب وزارية في حكومات سابقة. 

وقد بدا القرار في البداية منطقيا نظرا لخبرة ماندلسون وشبكاته الواسعة في السياسة الدولية، غير أن القضية لم تلبث أن تحولت إلى قضية رأي عام بعد تسريب رسائل إلكترونية أرسلها ماندلسون إلى إبستين قبل أعوام، تضمنت إشارات إلى دعم معنوي وربما مساعدة شخصية عقب إدانته، وهو ما فاجأ العديد من المواطنين والسياسيين في بريطانيا.

ورفع بعض نواب حزب العمال المتحفظين أصواتهم معربين عن قلقهم من عدم اطلاعهم على كامل تفاصيل العلاقة بين ماندلسون وإبستين قبل الموافقة على التعيين، بينما يرى نواب المعارضة في حزب المحافظين أن هذا الفشل في التحقق من معلومات الأساس يعكس نقصا خطيرا في معايير اختيار السفراء للمناصب الحيوية. 

وقد صدرت دعوات برلمانية لمراجعة هذا التعيين ونشر كل الوثائق المتعلقة بالحالة أمام البرلمان، وهو ما وضع ستارمر في موقف دفاعي غير معتاد لرئيس وزراء يواجه امتحانا كبيرا في قيادة حكومته، كما ترجح ذا تايمز.

ووفقا لبي بي سي نيوز، يشير الخبراء في بريطانيا إلى أن القضية لم تعد مسألة علاقة شخصية مع شخصية مثيرة للجدل مثل إبستين فقط، بل تحولت إلى إشكالية أكبر تتعلق بالشفافية في اتخاذ القرار وبصلاحيات رئيس الوزراء في اختيار كبار المسؤولين، ومدى قدرة المؤسسة الحزبية على مساءلة القيادة العليا. 

وفي أحاديث مع محللين سياسيين قالوا إن القضية تثير أسئلة بنيوية حول آليات الفحص الأمني والاستخباراتي التي تتبعها الحكومة قبل تعيين شخصيات في مواقع حساسة ترتبط بالعلاقات الدولية والأمن القومي.

وفي تطور إضافي يزيد من تعقيد الوضع، باشرت الشرطة في لندن تحقيقات في شأن ماندلسون بتهمة سوء السلوك في منصب عام بعد ادعاءات متداولة بأن معلومات حساسة وصلت إلى إبستين عبر رسائل كانت متبادلة بينهما، وأيضا هناك تحقيقات غير نهائية حول احتمال وجود تحويلات مالية غير مبررة من جهات مرتبطة بإبستين إلى حسابات مالية متصلة بماندلسون أو أفراد من محيطه. هذه التحقيقات ما تزال في مراحلها الأولى، لكنها أضافت بعدا قانونيا على الأزمة التي كانت في الأساس سياسية إعلامية، كما ترجح الفاينانشال تايمز.

إضافة إلى ذلك، لاقت ردود الأفعال تصاعدا في أوساط المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان التي طالبت باستجواب ستارمر أمام اللجان المختصة في البرلمان، وتقديم تفسيرات شاملة حول ما إذا كانت داونينج ستريت على علم كامل بمخاطر العلاقة بين ماندلسون وأسرة إبستين وقبلتها قبل اتخاذ قرار التعيين. 

كما طالب البعض بتعديل قواعد الاختيار والإشراف لتشمل أطر أعلى من المحاسبة والشفافية لضمان عدم تكرار مثل هذه الحالات في المستقبل، وفقا لصحيفة الجارديان.

وتراجعت شعبية ستارمر في استطلاعات الرأي المختلفة منذ اندلاع الأزمة، حيث ظهر انخفاض في ثقة الناخبين في حكومته التي كانت قد فازت بثقة واسعة قبل شهور قليلة فقط. 

وشهدت الإحصاءات تراجعا في مؤشرات القبول العام لأداء ستارمر في الوقت الذي يحاول فيه الاستمرار في الدفاع عن قراره، مع وعده بتقديم توضيحات أكثر وتعاون كامل مع التحقيقات الجارية. 

غير أن التوترات داخل حزبه نفسه باتت واضحة بعد أن أبدى نواب محسوبون عليه تحفظات على استمراره في التمسك بالقرار، بينما دعوا إلى المزيد من الشفافية وجلسات استماع علنية أمام البرلمان، وفقا لصحيفة ذا تايمز البريطانية.

وتثير القصة أيضا اهتماما دوليا، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تراقب دوائر القرار هناك تطورات الأزمة في بريطانيا، نظرا للعلاقات الوثيقة بين البلدين ولما قد يعنيه تراجع مصداقية ستارمر من تغيير محتمل في السياسة الخارجية البريطانية تجاه واشنطن. 

فقد بدا بعض الخبراء الأمريكيين قلقين من أن ما يحدث قد يؤثر على التعاون المستقبلي بين الإدارتين، على الرغم من أن الحكومة الأمريكية الحالية لم تصدر أي بيان رسمي يمس ستارمر، لكنها عبرت في مواقف غير رسمية عن أهمية الحفاظ على تبادل المعلومات الدقيقة في مثل هذه السياقات الحساسة.

وفي قلب هذه العاصفة السياسية، لا يستبعد أن تؤدي علاقة لورد ماندلسون بإبستين وما تلاها من إخفاق في التقييم داخل داونينج ستريت إلى هزة أكبر داخل حزب العمال نفسه، وربما تدفع إلى تغيير في القيادة أو حتى انتخابات مبكرة إذا ما تفاقمت الضغوط رغم محاولات ستارمر احتواء الأزمة. ويشدد محللون على أن الاستجابة لهذه الأزمة بشكل مؤسسي ومنهجي قد تحولها من كارثة سياسية إلى فرصة لإعادة بناء الثقة في الأجهزة الحكومية وتحديث القواعد المنظمة للاختصاصات والتعيينات السياسية.

وأشارت بي بي سي نيوز إلى أن هذه القضية تمثل اختبارا حقيقيا لقدرة النظام السياسي البريطاني على تحمل المساءلة والشفافية تحت ضغط السياسة والإعلام، وقد ترسم ملامح مرحلة جديدة في تاريخ داونينج ستريت وحزب العمال خلال السنوات المقبلة.