مجلس ترامب للسلام قد يمهد لتصادم بين بلير وستارمر
عاد توني بلير إلى قلب المشهد الدولي عبر انضمامه إلى مجلس السلام الذي أطلقه دونالد ترامب، ففتح قناة غير رسمية بين لندن وواشنطن، ووضع في الوقت نفسه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام معادلة سياسية ودبلوماسية شديدة الحساسية.
أثارت هذه العودة غير المتوقعة قلقا داخل أوساط الحكم في بريطانيا، بسبب احتمال امتلاك بلير نفوذا مستقلا لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما قد يقوض سلطة مكتب رئاسة الوزراء ويخلق مسارا موازيا لصنع القرار الخارجي البريطاني، وفقا لصحيفة ميامي هيرالد الأمريكية.
كسر توني بلير بذلك تقليدا بريطانيا راسخا، اعتاد فيه رؤساء الوزراء السابقون الابتعاد عن السياسة التنفيذية والاكتفاء بالكتابة أو المحاضرات.
اختار بلير مسارا مختلفا، بدأه مبعوثا دوليا في الشرق الأوسط، ثم توسع عبر مبادرات عالمية، قبل أن يتحول إلى مستشار سياسي مدفوع الأجر لحكومات عدة، من بينها حكومات واجهت انتقادات حادة بسبب سجلاتها في حقوق الإنسان.
وجمع بلير هذه الأنشطة منذ عام 2016 تحت مظلة معهد توني بلير، الذي لعب دورا متناميا في صياغة السياسات العامة داخل المملكة المتحدة.
ظهرت بصمات المعهد بوضوح داخل حكومة كير ستارمر، خاصة في ملفات تتعلق بالإدارة الرقمية وإعادة هيكلة الدولة، وهو ما عزز الانطباع بوجود تأثير غير رسمي، لكنه فعلي، لرئيس الوزراء الأسبق على توجهات الحكومة الحالية.
وأعلن بلير لاحقا انضمامه إلى المجلس التنفيذي لمجلس السلام التابع لترامب، وهي مبادرة وُصفت بأنها تمتلك صلاحيات واسعة، وتستهدف لعب دور عالمي يتجاوز قطاع غزة، ويمتد إلى قضايا السلام الدولي بشكل عام.
ضم المجلس شخصيات بارزة، من بينها جاريد كوشنر ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو والمبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ما أكد أن المبادرة لم تكن رمزية، بل سعت إلى تأسيس كيان تنفيذي بديل للأطر الدولية التقليدية.
وأثار هذا التطور قلقا واسعا في أوروبا، حيث تعاملت عواصم كبرى بحذر مع ما بدا محاولة لإنشاء منظمة ظل موازية للأمم المتحدة. رفضت فرنسا وهولندا الانضمام، وتجاهلت الدنمارك الدعوة من الأساس، بينما تحفظت إيطاليا، رغم التقارب السياسي بين رئيسة وزرائها ودونالد ترامب.
في المقابل، أعلنت الحكومة البريطانية دعمها المبدئي لأي جهود سلام، لكنها امتنعت عن الالتزام القانوني بالمبادرة، وفقا لما نقلته تقارير صحفية بريطانية وغربية.
ووضع هذا المشهد كير ستارمر في موقف بالغ التعقيد. اضطر للتعامل مع سلفه، الذي يُعد أنجح زعيم لحزب العمال في العقود الأخيرة، ويمتلك شبكة علاقات دولية وقناة اتصال مباشرة مع البيت الأبيض.
بدا التصادم بين الرجلين محتملا، ليس فقط على مستوى الأشخاص، بل على مستوى الرؤية لدور بريطانيا في نظام دولي يتعرض للتفكك.
وسع دونالد ترامب نطاق المبادرة، فوجه دعوات إلى عشرات الدول، من بينها روسيا، وحدد رسوما مالية ضخمة للحصول على عضوية دائمة، وعين نفسه رئيسا للمجلس بصلاحيات شبه مطلقة.
عكس هذا التصميم أسلوب ترامب المعروف في تجاوز القواعد الدولية القائمة، وتوسيع النفوذ السياسي عبر أدوات غير تقليدية.
وفي الداخل البريطاني، زادت حساسية الموقف بسبب تراجع شعبية بلير التاريخية، مقابل تآكل رصيد ستارمر الشعبي أيضا، ما جعل أي صراع بينهما يحمل كلفة سياسية للطرفين.
ومع ذلك، رأى بعض المقربين من ستارمر أن وجود قناة غير رسمية مع إدارة ترامب قد يوفر هامش مناورة، في وقت شهدت فيه العلاقات البريطانية الأمريكية توترات علنية بشأن ملفات مثل غرينلاند وجزر تشاجوس.
وعكست قضية مجلس ترامب للسلام تحولا أعمق في طبيعة الدبلوماسية الغربية، حيث تراجعت القنوات التقليدية لصالح شبكات نفوذ شخصية ومؤسسات موازية.
وبينما سعى بلير إلى ترسيخ دوره كلاعب دولي مستقل، حاول ستارمر الحفاظ على توازن دقيق بين واشنطن وأوروبا، في مشهد ينذر بأن التصادم بين الرجلين لم يعد احتمالا نظريا، بل مسارا مفتوحا.




