فورين آفيرز: سقوط مادورو لا يعني نهاية النظام فنزويلا بين قبضة واشنطن وشبح الفوضى
في فجر يوم 3 يناير 2026، شهدت العاصمة الفنزويلية كراكاس حدثًا غير مسبوق في السياسة الدولية، إذ نفذت قوات أمريكية عملية عسكرية دقيقة، واعتقلت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلتهما خارج البلاد. هذه العملية جاءت بعد أشهر من الضغط العسكري والسياسي الأمريكي على النظام الفنزويلي، بما في ذلك ضربات محددة على وحدات دفاعية وحصار اقتصادي مستمر.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن في مؤتمر صحفي أن واشنطن مستعدة لشن عمليات عسكرية إضافية إذا اقتضت الضرورة، وأن الولايات المتحدة ستدير البلاد إلى أجل غير مسمى، ما أثار مخاوف حول سيادة فنزويلا واستقلال قرارها الوطني. العملية أثارت نقاشا واسعا حول ما إذا كان سقوط مادورو سيعني فعلا نهاية النظام، أم أن هيكله الداخلي سيظل صامدًا رغم غياب رأسه. هذه التطورات ناقشتها مجلة فورين آفيرز تحت عنوان "سقوط مادورو لا يعني نهاية النظام… فنزويلا بين قبضة واشنطن وشبح الفوضى".
الهيكل الداخلي للنظام الفنزويلي
وفقا لمقابلة أجرتها فورين آفيرز مع فرانثيسكو رودريجيز، الباحث والاقتصادي المخضرم والخبير بشؤون فنزويلا، فإن الهيكل الحكومي الذي أسسه مادورو لا يزال مسيطرًا، موضحا أن "الهيكل الحكومي الذي أسسه مادورو لا يزال في السلطة. نظامه يسيطر على الجيش وقوات الأمن، ونائبته دلسي رودريجيز تولت مهامه. ما حدث يشبه اغتيال زعيم سياسي: تخرج الرأس، لكن البنية تبقى مسيطرة."
هذا يعني أن سقوط الرئيس لا يكسر شبكة الولاءات العسكرية والأجهزة الأمنية، ولا يعالج الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العميقة، التي شهدت فقدان ثلاثة أرباع الناتج المحلي وفرار نحو ثمانية ملايين فنزويلي من البلاد. الهيكل القوي للنظام يجعل أي انتقال ديمقراطي هشًا ما لم تُبنى مؤسسات مستقرة تدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي.
دوافع الولايات المتحدة وهدف النفط
أوضح رودريجيز أن الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس ترامب، تركز بشكل أساسي على السيطرة على موارد النفط الفنزويلية: "عندما يقول ترامب إن واشنطن ستدير البلاد، فهو يتحدث في المقام الأول عن إعادة الشركات الأمريكية والسيطرة على النفط الفنزويلي. مادورو حاول بالفعل تقديم هذا الاتفاق في 2025، لكنه كان 'سما' في عيني ترامب.
ويبدو ترامب مستعدا للتعاون مع حكومة ما بعد مادورو، حتى لو كانت بقيادة أشخاص من النظام السابق، لضمان مصالح النفط والأمن القومي الأمريكي. وفي هذا السياق، أشار رودريغيز إلى أن اعتقال مادورو تم بسهولة أثناء نومه، ما يشير إلى احتمال تواطؤ جزئي من بعض عناصر حرسه، دون أن يعني ذلك خيانة النظام بالكامل.
المخاطر المحتملة والتحديات الداخلية
رغم خروج مادورو من كادر الصورة، يبقى النظام الحالي في السلطة ويملك القدرة على المقاومة. بعض المسؤولين قد يرفضون التعاون مع واشنطن، ما قد يدفع الولايات المتحدة لزيادة الضغط العسكري أو شن غزو بري، رغم أن القوات المسلحة الفنزويلية لم تظهر قدرة حقيقية على المقاومة حتى الآن. رودريغيز يوضح السيناريو المحتمل:
"القوات المسلحة الفنزويلية لم تثبت قدرتها على المقاومة، لكن احتلال البلاد لن يكون سهلًا. مساحة كبيرة، تعداد سكاني ضخم، وجماعات مسلحة وميليشيات. قد ينتهي الأمر بحرب أهلية نوعًا ما."
ردود فعل الشعب الفنزويلي
استقبل أغلب الفنزويليين سقوط مادورو بارتياح، رغم التوتر السياسي المستمر، لأنهم تعبوا من الأزمة الاقتصادية الطويلة. رودريغيز يشير:
"أغلبية الفنزويليين يريدون نهاية هذا الفصل. أي حكومة تستطيع تحقيق تعافي اقتصادي حقيقي يمكن أن تكسب الانتخابات المقبلة بسهولة. لكن هذا لا يعني بالضرورة ديمقراطية حقيقية."
مصير المعارضة والفوضى المحتملة
وتجد المعارضة بقيادة ماريا كورينا ماتشادو نفسها في مأزق، إذ اعتبر ترامب أنها لا تمتلك الاحترام اللازم لقيادة البلاد. وبالتالي، يبدو أن الخيار الأكثر احتمالًا هو تعاون الولايات المتحدة مع عناصر من النظام الحالي لضمان مصالح النفط والاستقرار المؤقت، مع احتمال استمرار السيطرة الأمريكية على القرارات الاقتصادية والسياسية في البلاد.
وتابع الخبير المخضرم: "إزالة فرد من المشهد لا تعني بالضرورة إزالة النظام نفسه. البلاد الآن تواجه سؤالًا جوهريًا: هل سينتقل البلد فعلًا من فترة استبداد إلى فترة شرعية، أم أن العقبات البنيوية ستؤدي إلى مرحلة أطول من الفوضى قبل أي إصلاح ديمقراطي حقيقي."
السيناريوهات المستقبلية
وإذا نجحت الولايات المتحدة في السيطرة على النفط وإعادة تشغيل الاقتصاد بمساعدة النظام الجديد، فقد يشهد البلد تعافيًا اقتصاديًا سريعًا، وربما انتخابات “مضمونة” النجاح لأي حكومة تديرها واشنطن. لكن الديمقراطية الحقيقية تتطلب نظاما قادرا على نقل السلطة بين الأطراف المختلفة حسب إرادة الشعب، وهو ما يبدو بعيد المنال في المرحلة الحالية. أما إذا فشلت هذه المحاولات، فقد تتعمق الفوضى، ويصبح احتمال اندلاع حرب أهلية أو مقاومة مسلحة واسعة واردًا، خاصة مع وجود مجموعات مسلحة محلية ومتداخلة مع الجماعات الكولومبية.
ورجحت المجلة المتخصصة في الشؤون الجيوسياسية أن اعتقال مادورو، حتى مع العملية الأمريكية الجريئة، لا يعني نهاية النظام ولا بداية ديمقراطية حقيقية، إذ أن التحدي يكمن في الهيكل الداخلي للنظام، وشبكة الولاءات العسكرية، والاعتماد الأمريكي على النفط، وهو ما قد يخلق مرحلة من التوتر والفوضى قبل أي انتقال سياسي مستقر، وسط شكوك حول نجاح فنزويلا في التحول نحو شرعية حقيقية ومخاوف من الانزلاق إلى فوضى مستمرة تحت قبضة الخارج.