تقرير: 17 مليار دولار سنويا فرصة ضائعة تنتظر مصر في 11 قطاعا حيويا
نشرت شركة "ماكينزي آند كومباني" (McKinsey & Company)، واحدة من أكبر وأقدم شركات الاستشارات الإدارية في العالم، تقريرا بحثيا استراتيجيا يسلط الضوء على الخطوات التي تخطوها مصر نحو مرحلة مفصلية في تاريخها الاقتصادي، إذ تمتلك فرصة حقيقية للاستفادة من مقوماتها الأساسية ومزاياها الطبيعية لتعزيز مواردها من العملة الصعبة.
ويشير التقرير إلى أن التركيز الاستراتيجي على 11 قطاعًا حيويًا قد يفتح الباب لتوفير واكتساب ما يصل إلى 17 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2035.
أولًا: المشهد الاقتصادي.. بين الإمكانات والقيود
تعد مصر دراسة حالة في "التناقضات الاقتصادية"؛ فهي ضمن أقوى ثلاثة اقتصادات في أفريقيا، وتحتل المركز الخامس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بناتج محلي إجمالي يبلغ 349 مليار دولار. ورغم هذا الثقل الإقليمي، إلا أنها تبحر في بحر من التحديات الهيكلية وعدم اليقين الجيوسياسي.
مؤشرات الأداء: تباطأ النمو من 6.6% في 2022 إلى 3.1% في 2024، لكن التقرير يرصد تحسنًا في "الأساسات"؛ حيث تراجع التضخم من 34% إلى 28%، مع توقعات بوصوله إلى 13% بنهاية 2025.
عنق الزجاجة: حددت الحكومة هدفًا طموحًا لتحقيق نمو سنوي بنسبة 7% بحلول 2030، لكن "القيد الملزم" لهذا الطموح هو مدى توافر النقد الأجنبي.
ثانيًا: منهجية تحديد القطاعات (كيف تم اختيار الـ 11 قطاعًا؟)
استند التقرير إلى تحليل 18 قطاعًا كليًا و53 قطاعًا فرعيًا، تشمل أكثر من 1200 منتج وخدمة. تم الاختيار بناءً على معيارين أولهما الجاذبية للنقد الأجنبي؛ أي إمكانات التصدير، والتعرض للاستيراد، والنمو العالمي المتوقع، وثانيهما الحق في المنافسة، أي التنافسية القائمة على المدخلات، الوصول للأسواق، والبيئة الداعمة.
ثالثًا: خارطة طريق النقد الأجنبي (من التأسيس إلى الريادة)
تم تقسيم الفرص إلى أربعة نماذج استراتيجية (Archetypes) تعكس رحلة مصر من تأمين احتياجاتها الأساسية إلى قيادة الأسواق العالمية:
1. نموذج "البناء من أجل مصر" (تأمين القاعدة المحلية): يركز على القطاعات الضرورية محليًا لكنها تفتقر للتنافسية العالمية حاليًا، والهدف هو "الادخار" عبر تقليل الاستيراد:
السيارات والتنقل: رغم ضعف المساهمة الحالية في الناتج المحلي (0.7%)، إلا أن الطلب سيتضاعف بحلول 2032. الاستراتيجية المقترحة هي توطين صناعة الإطارات والمكونات المتقدمة لتقليص عجز القطاع التجاري البالغ 4.6 مليار دولار.
التشييد ومواد البناء: قطاع يمثل 6.25% من الناتج المحلي. الفرصة تكمن في التحول نحو "الأسمنت الأخضر" ورفع قيمة صادرات الرخام والجرانيت عبر "التصنيع والتشطيب الآلي" بدلًا من تصديرها كمواد خام.
2. نموذج "التوسع المتسارع" (استغلال المزايا القائمة)
قطاعات تمتلك فيها مصر ميزة واضحة وطلبًا عالميًا متزايدًا:
الزراعة والصناعات الغذائية: تمثل 16% من الناتج المحلي. التحدي هو ندرة المياه وتفتت الحيازات الزراعية. الحل يكمن في توطين إنتاج المحاصيل الاستراتيجية (القمح والذرة) لتقليل فاتورة الاستيراد، وتحسين سلاسل التبريد لتقليل الفاقد.
المنسوجات والملابس: بلغت صادرات الملابس 4 مليار دولار في 2024. التقرير ينصح بالانتقال إلى مراحل "النساجة والتجهيز النهائي" المتقدمة لغزو أسواق الاتحاد الأوروبي والخليج.
السياحة والضيافة: تمثل 10% من الناتج المحلي والتوظيف. الهدف هو زيادة "متوسط إنفاق السائح" عبر تنويع الأنشطة (سياحة علاجية، يخوت) وتوسيع شبكة الطيران منخفض التكاليف.
3. نموذج "بناء التنافسية العالمية" (اقتحام الأسواق الدولية)
قطاعات واعدة تحتاج إلى "حجم استثمارات" أكبر للمنافسة:
الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (ICT): قطاع ينمو بقوة؛ حيث وصلت الصادرات الرقمية إلى 1.7 مليار دولار. الميزة هي موقع مصر على مسارات الكابلات البحرية (14 كابل نشط). الهدف هو بناء "قناة سويس رقمية" لتصدير خدمات مراكز البيانات والسحابة.
الآلات والمعدات (بما في ذلك الإلكترونيات): رغم صغر حجم القطاع، إلا أن صادرات الأجهزة المنزلية تنمو بنسبة 15% سنويًا. الفرصة تكمن في التوسع نحو الأسواق الأفريقية لتعويض الهيمنة الصينية.
الأدوية: مصر هي ثاني أكبر سوق في المنطقة بعد السعودية. الفرصة تكمن في زيادة تصدير "الأدوية وينطبق ذلك أيضًا على تصدير المستلزمات الطبية التي لا تحتاج لوصفة طبية.
4. نموذج "تحقيق الريادة العالمية" (السيادة السعرية والنوعية)
قطاعات تمتلك فيها مصر حضورًا عالميًا وتستطيع أن تصبح "رقم 1": تشكل هذه القطاعات الكيماويات والبلاستيك؛ وهو قطاع واعد ينمو بنسبة 10.2% سنويًا. الهدف هو التحول من تصدير المواد الخام إلى تحويلها إلى منتجات نهائية عالية القيمة مثل مشتقات الميثانول والأمونيا النظيفة.
الطاقة والتعدين: بفضل موارد الشمس والرياح، تسعى مصر لتقليل الاعتماد على الغاز المسال المستورد وتحويل الفائض إلى كهرباء للتصدير الإقليمي، مع تبسيط إجراءات تنقيب الذهب.
النقل والخدمات اللوجستية: الهدف هو تقليل "زمن الانتظار والمكوث" (Dwell times) في الموانئ وربطها بالمناطق الصناعية عبر شبكة سكك حديدية ومستودعات تبريد متطورة.
رابعًا: "تأثير التراكم"
يؤكد تقرير ماكينزي أن قضية النقد الأجنبي في مصر هي قضية "تراكمية" وليست معتمدة على قطاع واحد. إن إجراء تحسينات طفيفة في الجودة، والموثوقية، والوصول إلى الأسواق عبر هذه القطاعات الـ 11 سيؤدي في النهاية إلى "مرونة" اقتصادية شاملة.
وأشار التقرير إلى أن أجندة النقد الأجنبي هي في جوهرها أجندة نمو؛ فمن خلال تحويل نقاط القوة الحالية إلى مكاسب من العملة الصعبة، يمكن لمصر تأمين مستقبلها الاقتصادي للعقد القادم.