الرئيس نيوز

الجنيه أول المستفيدين.. مصر تحشد أدواتها المالية والنقدية لاحتواء ارتفاع أسعار الطاقة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

تحشد مصر أدواتها النقدية والمالية للمرة الثانية منذ اندلاع حرب إيران هذا العام، لاحتواء تداعيات الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، حيث تسعى القاهرة إلى توازن دقيق بين كبح فاتورة الواردات وحماية أسعار المستهلكين والنشاط الاقتصادي، وبدأت المؤشرات الأولية تعطي نتائج إيجابية، يتصدرها الجنيه، وفقًا لأحدث تحليل نشرته “بلومبرج”.

ضغوط الطاقة تختبر العملة المحلية

أدت المخاوف من تصاعد المواجهة العسكرية إلى ارتفاع متوسط سعر خام برنت فوق 100 دولار للبرميل في سبتمبر وأكتوبر، وفقد الجنيه نحو 10% من قيمته، بالتزامن مع تخارج استثمارات أجنبية من سوق الدين المحلية، قدر بنك أبوظبي التجاري حجمها بما بين 4 و5 مليارات دولار في أكتوبر، حيث أعاد تسجيل الجنيه مستوى قياسيًا أمام الدولار فتح النقاش حول سياسة سعر الصرف المرن. 

أبقت الحكومة أسعار الوقود المحلية دون تغيير، خلافا لتوقعات بخفض الدعم تماشيًا مع التزامات برنامج صندوق النقد الدولي، وفي 29 أكتوبر فاجأ البنك المركزي الأسواق برفع الفائدة 100 نقطة أساس إلى 20% للإيداع و21% للإقراض. 

وفي المسار الموازي جمعت وزارة المالية 500 مليون دولار عبر زيادة حجم إصدارين قائمين من السندات الدولية.

ترشيد من داخل البيت الحكومي

أعلنت الحكومة الخميس حزمة لتقليص الإنفاق العام وترشيد استخدام العملات الأجنبية. وتلزم الحزمة الجهات العامة بخفض استهلاك الكهرباء والإنارة 20% والوقود المخصص للمركبات الحكومية 30%. 

كما اشترطت موافقة وزارة المالية، بالتنسيق مع البنك المركزي، على أي إنفاق بالعملة الأجنبية، وحظرت التعاقد على مشروعات تستلزم عملة أجنبية إضافية أو اقتراضا خارجيا. 

وكانت الحكومة قلصت إمدادات الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة والميثانول 20% ولأجل غير محدد، وأرجأت شحنات من الغاز المسال في نوفمبر بعد أن تضاعفت تكلفة الشحنة مقارنة بسبتمبر. 

من جانبها، قالت رزان ناصر، محللة الديون السيادية للأسواق الناشئة في شركة تي رو برايس (T. Rowe Price) بلندن، إن القرار أظهر استعداد المركزي لاستخدام الفائدة أداة للتدخل "إذا أصبحت تحركات سعر الصرف مفرطة". 

وأضافت أن هذه الرسالة قد تمنح مستثمري أذون الخزانة طمأنينة تفوق العائد الإضافي نفسه. وذكرت شركة مالية أجنبية مستثمرة في الأذون أنها ستعيد النظر في تجديد استثماراتها عند الاستحقاق بدلا من الخروج من السوق. 

الجنيه يلتقط أنفاسه

ارتفع الجنيه نحو 4% أمام الدولار في 5 أيام، وقلص خسائره منذ بداية الربع الجاري إلى نحو 3.5%. ودعمته تدفقات أجنبية للمشاركة في الطرح العام الأولي لأسهم بنك القاهرة، إلى جانب تقارير عن عودة المستثمرين الأجانب لشراء أذون الخزانة. 

وسجل المؤشر الرئيسي للبورصة مكاسب تفوق 3% هذا الأسبوع. وتزامن جزء من التحسن مع تراجع النفط إلى ما دون 100 دولار للبرميل. 

وكشفت بيانات المركزي ارتفاع صافي الاحتياطيات الأجنبية 150 مليون دولار إلى 57.5 مليار دولار، حيث قفزت إيرادات قناة السويس 94% على أساس سنوي في أكتوبر إلى 724 مليون دولار، بحسب الفريق أسامة ربيع، رئيس الهيئة.

وأظهر تحليل لبيانات بلومبرج أن الأصول المصرية حققت أعلى صافي عائد بين الأسواق المبتدئة خلال أسبوع، متفوقة على نيجيريا وكينيا. وبلغت حيازات الأجانب من الدين المحلي مستوى قياسيا عند 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو 2026. 

يتوقع بنك جيه بي مورجان ألا يستأنف المركزي خفض الفائدة قبل النصف الثاني من 2027. ويرى جان ميشال صليبا، خبير الاقتصاد لدى بنك أوف أمريكا (Bank of America)، أن مرونة سعر الصرف مع احتياطيات مرتفعة تعزز استقرار استثمارات الأجانب في الدين المصري.

في المقابل، يطيل ارتفاع الفائدة الضغوط على المقترضين ويزيد أعباء خدمة الدين الحكومي، ويحمل تثبيت أسعار الوقود الموازنة عبئا أكبر. كما يهدد خفض الغاز إنتاج مصانع تسهم صادراتها في توفير النقد الأجنبي، وتراجعت أسهم شركات الأسمدة بعد الإعلان. 

رهان على الإصلاحات

يؤكد وزير المالية أحمد كجوك وصناع السياسة أن الحكومة ستواصل البناء على مكاسب العامين الماضيين. وتراجعت نسبة الدين الحكومي إلى الناتج من نحو 96% في 2023 إلى 82% بنهاية السنة المالية المنتهية في 30 يونيو 2026، وسجلت الموازنة فائضا أوليا بنسبة 4.9% من الناتج.

وقال متعامل في سوق السندات إن من الصعب إيجاد دولة غير مصدرة للنفط تحقق فائضا أوليا بهذا المستوى، وإن المشكلة الوحيدة هي مستوى الدين. 

وتجمع الاستجابة المصرية بين أدوات متكاملة تتضمن فائدة مرتفعة تجذب الأموال، وتمويل دولاري إضافي من السندات، وترشيد في الإنفاق والطاقة، وقد منحت هذه الأدوات الجنيه فرصة للتعافي في أسبوع واحد.

وبحسب بلومبرج، فإن استدامة المكاسب، لا يزال يتوقف على اتجاه أسعار النفط وعلى المخاطر الجيوسياسية التي تحدد تدفقات الاستثمار، مع اقتراب انتهاء برنامج صندوق النقد بنهاية العام الجاري.