أسرار مدفونة منذ ألفي عام.. الأقمار الصناعية تكشف خبايا مدينة الضراوية
تتصدر الآثار المصرية المشهد الثقافي الدولي مع بداية نوفمبر الجاري، عبر ملفين متباعدين جغرافيا، يجمعهما الاهتمام بالتاريخ المصري القديم وطرق التعامل مع تراثه. ففي الساحل المتوسطي، يستعين علماء آثار بصور الأقمار الصناعية للكشف عن أسرار مدينة إغريقية رومانية يعود تاريخها إلى نحو ألفي عام، بينما تواجه متاحف اسكتلندية طلبا مصريا باستعادة مومياء الكاهن نخت، الذي عاش قبل نحو أربعة آلاف عام، بعد سحب رفاته من العرض في جلاسجو، وفقا لمجلة هيرتدج دايلي البريطانية.
وتكشف التطورات عن اتجاهين متوازيين؛ الأول يوظف التكنولوجيا الحديثة لتوسيع نطاق الاكتشافات الأثرية، والثاني يعيد فتح النقاش حول أخلاقيات الاحتفاظ بالمومياوات المصرية وعرضها خارج موطنها الأصلي.
صور الفضاء تكشف أسرار مدينة الضراوية
يعمل علماء آثار من جامعة ياجيلونيان البولندية في موقع الضراوية بمنطقة مارينا العلمين، على بعد نحو 300 كيلومتر من القاهرة، لدراسة بقايا مستوطنة إغريقية رومانية قديمة. وحدد الباحثون بقايا مبان سكنية ومنشآت خدمية وخزانات للمياه الجوفية، بالتعاون مع متخصصين في الوكالة الفضائية البولندية، الذين يستخدمون صور الأقمار الصناعية لتحديد الامتداد الكامل للمدينة والكشف عن منشآت لم تصل إليها الحفريات التقليدية.

وتساعد هذه التقنية في مقارنة الشواهد الأثرية الظاهرة على الأرض بالتكوينات التي ترصدها الأقمار الصناعية، بما يتيح تكوين صورة أشمل عن التخطيط العمراني للمستوطنة وتطورها عبر الزمن.
طريق تجاري ساهم في ازدهار المستوطنة
تنبع أهمية الضراوية من موقعها على طريق تجاري قديم كان يربط مناطق الساحل المتوسطي، ويتيح حركة المسافرين والبضائع. وقال رادوسواف جوردك من الوكالة الفضائية البولندية إن المسافرين كانوا يتوقفون في المنطقة لتجديد مؤنهم من الطعام والمياه قبل استكمال رحلاتهم، وهو ما ساهم في تطور المستوطنة ونمو النشاط داخلها.
وتشير التقديرات إلى أن الموقع يمتد على مساحة تتراوح بين هكتارين وثلاثة هكتارات. ويرى الباحثون أن تحليل الصور الفضائية سيقلل تكاليف الاستكشاف ووقته، عبر تحديد المناطق الأكثر أهمية قبل بدء أعمال المسح الميداني.
وتكتسب هذه الوسيلة أهمية إضافية بسبب وقوع المنطقة داخل نطاق عسكري يحظر استخدام الطائرات المسيرة، وفقا لهيرتدج دايلي. ويخطط الفريق لدمج الاستشعار الفضائي بالتصوير الفوتوجرامتري والقياسات الميدانية، لإنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد تعيد تصور المدينة وتساعد في توثيقها وحمايتها من التغيرات البيئية والنشاط البشري.
مومياء نخت تفتح ملف الاسترداد
في جلاسجو، أثار طلب مصري بإعادة مومياء الكاهن نخت نقاشا بشأن مصير الرفات البشرية المصرية الموجودة في المتاحف الأجنبية، وفقا لصحيفة دايلي ميل البريطانية. ويرجح أن نخت عاش بين عامي 1985 و1797 قبل الميلاد، واكتشف الباحثون رفاته في منطقة بني حسن بمصر الوسطى خلال حفريات أوائل القرن العشرين، قبل إهدائها إلى مدينة جلاسجو عام 1923.
وظلت المومياء معروضة لعقود داخل متحف كلفينجروف، قبل أن تقرر إدارة المتحف سحبها من العرض، بسبب غياب ما وصفته بالموافقة المستنيرة من المتوفى. وأكدت مؤسسة جلاسجو لايف، المسؤولة عن تشغيل المتحف، تلقيها طلبا مصريا لإعادة الرفات، مشيرة إلى أنها ستتعامل معه وفقا للإجراءات المعتمدة للنظر في طلبات الاسترداد، وفقا لديلي ميل.
أخلاقيات المتاحف تثير انقساما
جاء سحب المومياء بعد مراجعة المجلس الدولي للمتاحف مدونته الأخلاقية في يونيو الماضي، والتوصية باحترام الكرامة الإنسانية للرفات البشرية، والتعاون مع المجتمعات التي تنتمي إليها عند اتخاذ قرارات بشأن الاحتفاظ بها أو عرضها. وامتدت المراجعات إلى متحف هنتيريان التابع لجامعة جلاسجو، الذي أخفى مومياء ليدي شيب إن هور، بعدما ظلت معروضة لأكثر من قرنين، رغم العثور على تابوتها في طيبة المصرية القديمة.
لكن الخطوات واجهت اعتراضات داخل اسكتلندا. وحذر كريس ماكجفرن، رئيس حملة التعليم الحقيقي، من أن إعادة مومياء نخت ستؤثر في فرص التعليم التاريخي، وتفتح الباب أمام مطالبات مماثلة باستعادة مقتنيات أخرى.
وانتقد ميردو فريزر، المتحدث الثقافي باسم المحافظين الاسكتلنديين، قرارات جلاسجو لايف، داعيا المتاحف إلى تثقيف الجمهور بدلا من الاستجابة لدعوات الرقابة، وفقا لديلي ميل.
المتحف المصري الكبير يعزز مطالبات الاسترداد
تتصاعد المطالبات المصرية باستعادة الآثار الموجودة في الخارج منذ افتتاح المتحف المصري الكبير قرب القاهرة العام الماضي، بتكلفة بلغت نحو 910 ملايين جنيه إسترليني.
ويضم المتحف أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، بينها مقتنيات مقبرة توت عنخ آمون وقناعه الذهبي الشهير، بما يعزز قدرته على عرض جوانب واسعة من الحضارة المصرية القديمة. وأعلنت جلاسجو لايف اعتزامها سحب عظام طفل وشخص بالغ يعودان إلى العصر البرونزي، عثر عليهما في مقبرة ببونهيل بدنبارتونشير، ونقلهما إلى مخزن محدود الدخول مخصص لحفظ الرفات البشرية والمقتنيات الحساسة.
وبين اكتشافات الضراوية ومطالب استعادة مومياء نخت، تتجلى أهمية التكنولوجيا في حماية المواقع الأثرية، بالتوازي مع تصاعد النقاش الدولي حول حقوق المجتمعات في تراثها الإنساني.