باب وهمي عمره 4 آلاف عام.. اكتشاف أثري في سقارة يكشف أسرار طقوس المصريين القدماء
في مقبرة سقارة، حيث تتجاور آثار آلاف السنين من التاريخ المصري، كشف علماء الآثار عن بقايا مقصورة جنائزية تحمل تفاصيل نادرة عن الطريقة التي كان بها الأحياء يواصلون تكريم موتاهم بعد الوفاة. وتعود المقصورة إلى "سخنتيو-بتاح"، وهو مسؤول مصري عاش خلال عصر الدولة القديمة، وهي الفترة التي يؤرخ لها متحف المتروبوليتان للفنون بين نحو 2649 و2150 قبل الميلاد. وهذا يجعل المقبرة المكتشفة أقدم من 4 آلاف عام، وفقا لمجلة ديسكوفر ماجزين الأمريكية.
أكثر ما يلفت الانتباه في الاكتشاف هو وجود "باب وهمي" لم يكن مصممًا ليُفتح أصلًا. وعلى الرغم من أنه يشبه مدخلًا حقيقيًا، فإن وظيفته كانت رمزية وطقسية؛ إذ كان يمثل نقطة العبور الرمزية التي يستطيع المتوفى من خلالها، وفق المعتقدات الجنائزية المصرية القديمة، تلقي القرابين التي يقدمها الأحياء.
باب لا يفتح.. لكنه يؤدي وظيفة أساسية
لم يكن الباب الوهمي مجرد عنصر معماري للزينة. فقد كان جزءًا مهمًا من الطقوس الجنائزية في مصر القديمة، حيث ارتبط بفكرة التواصل بين عالم الأحياء وعالم الموتى.
وفي حالة مقصورة سخنتيو-بتاح، عثر علماء الآثار على مجموعة كاملة من الأدوات الطقسية المصنوعة من الألباستر والمنقوشة، وكانت لا تزال مرتبة أمام الباب وفي موضعها الأصلي.
وتمنح هذه التفاصيل الباحثين فرصة نادرة لإعادة تصور الطريقة التي كانت تتم بها طقوس تقديم القرابين خلال عصر الدولة القديمة.
أضافت المجلة أن العثور على المجموعة الطقسية كاملة تقريبًا وفي موقعها الأصلي يمثل قيمة علمية مهمة، لأنه يقدم دليلًا مباشرًا على كيفية ترتيب الأدوات واستخدامها ضمن الممارسات الجنائزية في تلك الفترة.
فالقطع الأثرية لا تقدم معلومات عن صاحب المقبرة فحسب، بل تساعد أيضًا في فهم الجانب العملي من الطقوس التي رافقت الاعتقاد بالحياة بعد الموت.
سقارة لم تتوقف عند زمن صاحب المقبرة
لكن الاكتشاف لا ينتهي عند المقصورة نفسها، فعلى مقربة منها، اكتشف علماء الآثار آبارًا للدفن احتوت على بقايا بشرية وقطعًا أثرية تعود إلى فترات زمنية أحدث بكثير من عصر سخنتيو-بتاح. وتكشف هذه المدافن اللاحقة عن استمرار استخدام المنطقة بعد وفاة صاحب المقبرة بقرون طويلة.
وهذه النقطة مهمة لفهم تاريخ سقارة، إذ لم تكن المنطقة مجرد موقع دفن يُستخدم مرة واحدة ثم يُهجر. فقد عادت أجيال مختلفة إلى أجزاء من المقبرة، وأقامت مدافن جديدة بالقرب من مقابر أقدم، وهو ما خلق طبقات متراكمة من الممارسات الجنائزية داخل المكان نفسه. وبذلك أصبح الموقع سجلًا ماديًا للتغير الذي طرأ على عادات الدفن والمعتقدات المرتبطة بالموت عبر فترات زمنية متعاقبة.
ماذا يقول الاكتشاف عن المصريين القدماء؟
تكمن أهمية المقبرة في اجتماع عدة عناصر داخل مساحة واحدة: مقصورة جنائزية من عصر الدولة القديمة، باب وهمي، مجموعة كاملة من الأدوات الطقسية، ثم مدافن لاحقة تعود إلى عصور مختلفة.
ويتيح هذا التتابع للباحثين دراسة العلاقة بين العمارة الجنائزية والطقوس والمعتقدات، إضافة إلى الطريقة التي أعادت بها المجتمعات اللاحقة استخدام الأماكن التي كانت مرتبطة بشخصيات من عصور سابقة.
كما يوضح الاكتشاف أن التعامل مع الموت في مصر القديمة لم يكن مجرد عملية دفن للجثمان. فقد ارتبطت المقابر بطقوس مستمرة يفترض أن تضمن استمرار الصلة بين المتوفى والأحياء، ومن بينها تقديم الطعام والقرابين أمام نقاط رمزية مثل الباب الوهمي.
ومن هذه الزاوية، فإن الباب الذي لم يفتح قط كان يؤدي وظيفة مهمة للغاية: كان يمثل المكان الذي يستطيع عنده المتوفى استقبال ما يقدمه الأحياء.
قطعة صغيرة من تاريخ طويل
تكشف مدافن سقارة المتعاقبة أيضًا عن طبيعة الموقع باعتباره مساحة جنائزية استمرت أهميتها عبر قرون طويلة.
فالمقبرة التي شيدت لسخنتيو-بتاح لم تختف أهميتها بمجرد انتهاء حياته. وعلى مسافة قريبة، واصل أشخاص من فترات لاحقة استخدام المنطقة للدفن، تاركين وراءهم بقايا بشرية وقطعًا أثرية أصبحت اليوم جزءًا من سجل تاريخي أكثر اتساعًا. ويمنح هذا التداخل الزمني علماء الآثار فرصة لدراسة ليس فقط حياة الموتى، بل أيضًا الطريقة التي تعامل بها المصريون اللاحقون مع الأماكن التي تركها أسلافهم.