< تحذير من استنزاف احتياطي مصر النقدي.. هل تعود أزمة الدولار من جديد؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

تحذير من استنزاف احتياطي مصر النقدي.. هل تعود أزمة الدولار من جديد؟

الرئيس نيوز

تواجه السياسة النقدية المصرية اختبارًا صعبًا مع تراجع الجنيه إلى مستوى قياسي تجاوز 56 جنيهًا للدولار، وسط تصاعد التوترات الإقليمية وخروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية، في تطورات تعيد المخاوف بشأن استقرار سوق الصرف وتوافر النقد الأجنبي إلى الواجهة.

وفي قلب هذه المعادلة، حذرت علياء مبيض، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط في مؤسسة «جيفريز»، من أن استخدام الاحتياطيات النقدية للدفاع عن مستوى محدد لسعر الجنيه قد يعيد مصر إلى دائرة المخاطر التي واجهتها خلال أزمتي 2022 و2023، عندما تصاعدت الضغوط على الدولار وتفاقمت اختلالات سوق الصرف.

وتطرح مبيض تساؤلات مهمة بشأن جدوى تدخل البنك المركزي المصري لدعم العملة المحلية، والنتائج التي يمكن تحقيقها مقابل التكلفة المحتملة لاستنزاف الاحتياطيات، وفقًا لما نقلته بلومبرج. وتتمثل القضية الأساسية، بحسب هذا الطرح، في تحديد ما إذا كان الدفاع عن الجنيه يستحق استخدام موارد النقد الأجنبي، أم أن الحفاظ على هذه الموارد يمثل أولوية أكبر لضمان قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.

الجنيه المصري تحت الضغط.. هل تعيد سياسة الدفاع عن العملة شبح أزمات الدولار؟

لا تشكك علياء مبيض في قدرة البنك المركزي المصري على التدخل في سوق الصرف، لكنها ترى أن امتلاك أدوات التدخل لا يعني بالضرورة أن استخدامها هو الخيار الأفضل في جميع الظروف.

وقالت مبيض، في مقابلة مع بلومبرج، إن السؤال الأهم يتعلق بالهدف من التدخل والنتائج المنتظرة منه، خاصة عندما تواجه الأسواق ضغوطًا متزايدة نتيجة التوترات الجيوسياسية وتغير اتجاهات الاستثمارات الأجنبية.

وتحذر الخبيرة الاقتصادية من توجيه الاحتياطيات النقدية إلى تثبيت سعر الجنيه عند مستوى معين، لأن هذه السياسة قد تستنزف موارد تحتاج إليها مصر لاحقًا لتمويل الواردات والوفاء بالتزاماتها الخارجية.

وتتمثل المفاضلة أمام السلطات النقدية في استخدام الدولار لاحتواء الضغوط على العملة المحلية في الأجل القصير، أو الحفاظ على الاحتياطيات حتى تظل متاحة لتلبية الاحتياجات الأساسية للاقتصاد ومواجهة أي تطورات مفاجئة.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل التجارب السابقة التي شهدتها مصر خلال عامي 2022 و2023، عندما تعرض سوق الصرف لضغوط حادة، وازدادت صعوبة توفير الدولار لتلبية احتياجات الاستيراد والالتزامات الخارجية.

ومن ثم، فإن محاولة الحد من تراجع الجنيه عبر تدخلات مستمرة قد تمنح الأسواق فترة من الهدوء، لكنها لا تضمن معالجة الأسباب الأساسية للضغط على العملة، خاصة إذا استمر الطلب على الدولار في تجاوز الموارد المتاحة بصورة مستدامة.

خروج الأموال الساخنة يضرب سوق الصرف.. مليارات الدولارات تغادر أدوات الدين المصرية

تزامن تراجع الجنيه مع تصاعد حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب والتوترات الجيوسياسية، وهو ما أعاد تسليط الضوء على مخاطر اعتماد جزء من تدفقات النقد الأجنبي على استثمارات المحافظ المالية، المعروفة باسم «الأموال الساخنة».

وأشارت مبيض إلى بيانات لصندوق النقد الدولي أظهرت تراجع حيازات غير المقيمين من أدوات الدين المصرية من 39.1 مليار دولار في فبراير إلى 22.2 مليار دولار في أوائل أبريل، قبل أن تتعافى لاحقًا.

وتكشف هذه التحركات مدى سرعة استجابة المستثمرين الأجانب للتغيرات في مستوى المخاطر وتوقعات العائد والاستقرار الاقتصادي، كما توضح أن هذه التدفقات قد تتغير بصورة حادة خلال فترات قصيرة.

وتتمثل خطورة هذه الاستثمارات في قدرة أصحابها على بيع أدوات الدين المحلية وتحويل حصيلة البيع إلى الدولار، عندما تتغير توقعاتهم بشأن العائد أو ترتفع المخاطر المرتبطة بالأسواق الناشئة.

ولا يعني ذلك أن خروج الاستثمارات الأجنبية وحده يفسر تراجع الجنيه، إذ تتداخل معه عوامل أخرى، تشمل احتياجات الاستيراد، وتكاليف الطاقة، والتزامات الدين الخارجي، وتوقعات المستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد المصري.

لكن تراجع التدفقات الأجنبية يضغط على المعروض من الدولار، ويزيد صعوبة تحقيق التوازن بين الطلب على العملة الأمريكية والموارد المتاحة منها.

وتسلط هذه التطورات الضوء على أهمية تعزيز مصادر النقد الأجنبي الأكثر استدامة، بدلًا من الاعتماد المفرط على التدفقات الاستثمارية التي يمكن أن تتراجع بسرعة عند تصاعد الأزمات أو تغير اتجاهات الأسواق العالمية.

التضخم يهدد جيوب المصريين.. خبيرة اقتصادية تكشف البديل عن تثبيت سعر الدولار

تضع مبيض حماية القوة الشرائية للمواطنين في صلب السياسة الاقتصادية، لكنها ترى أن الاحتياطي النقدي لا ينبغي أن يتحمل وحده تكلفة الحد من التضخم من خلال تثبيت سعر الصرف.

وبحسب هذا الطرح، فإن حماية الأسر من ارتفاع الأسعار يجب أن تعتمد بصورة أساسية على السياسات المالية، بما يسمح بتخفيف الأعباء عن المواطنين دون استنزاف موارد النقد الأجنبي في محاولة مستمرة للدفاع عن سعر محدد للجنيه.

ويشمل ذلك توجيه الدعم بصورة أكثر دقة إلى الفئات الأكثر احتياجًا، واستخدام أدوات الموازنة العامة للحد من تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة، بدلًا من الاعتماد على التدخل في سوق الصرف باعتباره الأداة الرئيسية لاحتواء التضخم.

وتزداد أهمية هذا التوجه مع وصول معدل التضخم العام إلى 13.9%، وسط مخاوف من انتقال أثر انخفاض الجنيه إلى أسعار السلع المستوردة ومستلزمات الإنتاج والطاقة.

فعندما تتراجع قيمة العملة المحلية، ترتفع تكلفة استيراد العديد من السلع والمواد الخام، وهو ما قد ينعكس على أسعار المنتجات النهائية ويزيد الضغوط على الأسر والشركات.

وفي المقابل، قد يؤدي استخدام الاحتياطيات لتقييد حركة سعر الصرف إلى تأجيل بعض آثار التراجع، لكنه لا يلغي بالضرورة الضغوط الأساسية على الأسعار إذا استمرت العوامل المؤثرة في العرض والطلب على الدولار.

ومن هنا، تبرز أهمية الجمع بين سياسة نقدية مرنة وسياسات مالية تستهدف حماية الفئات الأكثر تضررًا، مع تجنب تحميل الاحتياطيات النقدية أعباء تتجاوز قدرتها على الاستمرار.

دعم الطاقة والكهرباء في مصر أمام اختبار صعب.. هل تتأجل الزيادات الجديدة؟

تدعو مبيض إلى إبطاء وتيرة إصلاح منظومة الدعم عندما تهدد الزيادات الجديدة في أسعار الطاقة والكهرباء بتوسيع موجة التضخم وزيادة الأعباء على المواطنين.

وترى أن تأجيل بعض الزيادات يمكن أن يساعد على الحد من انتقال صدمة سعر الصرف إلى المستهلكين، ويخفف الضغوط التي تواجه الأسر خلال الأجل القصير، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.

ولا يعني هذا التوجه التخلي عن إصلاح منظومة الدعم، بل إعادة ترتيب توقيت الإجراءات بما يراعي قدرة المواطنين على تحمل الزيادات السعرية، ويمنح الحكومة مساحة أكبر لتطبيق الإصلاحات بصورة تدريجية.

ويظل نجاح هذا المسار مرتبطًا بتوفير حماية فعالة للفئات الأكثر هشاشة، من خلال برامج دعم موجهة وسياسات مالية تقلل من التأثير المباشر لارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية.

وفي المقابل، يواصل صندوق النقد الدولي الدعوة إلى إصلاح دعم الطاقة تدريجيًا، بالتزامن مع اتخاذ إجراءات لحماية الفئات الضعيفة من التداعيات الاجتماعية للإصلاحات الاقتصادية.

ويضع ذلك الحكومة المصرية أمام معادلة دقيقة تجمع بين خفض الاختلالات المالية، والحد من التضخم، والحفاظ على استقرار سوق الصرف، وتجنب تحميل المواطنين صدمات سعرية متزامنة.

وتزداد صعوبة هذه المعادلة عندما تتزامن الضغوط الخارجية مع ارتفاع تكلفة الطاقة واضطراب حركة التجارة والاستثمار، وهو ما يجعل اختيار توقيت الإصلاحات الاقتصادية عنصرًا مؤثرًا في تحديد حجم الأعباء التي يتحملها المواطنون.

الاحتياطي النقدي ليس خط دفاع بلا حدود.. ما السيناريو الأفضل لإنقاذ استقرار الجنيه؟

تكشف تحذيرات مبيض عن اختلاف جوهري بين استخدام الاحتياطيات النقدية لامتصاص صدمة مؤقتة في سوق الصرف، وبين استنزافها في محاولة مستمرة لتثبيت سعر العملة المحلية.

فالاحتياطيات تمنح الاقتصاد قدرة على مواجهة الأزمات وتمويل الاحتياجات الخارجية، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض النقص المستدام في موارد الدولار أو وقف تحركات المستثمرين عندما تتغير توقعاتهم بشأن المخاطر والعوائد.

ويعتمد المسار الأكثر استدامة على تعزيز مرونة سعر الصرف، وزيادة موارد النقد الأجنبي من خلال الصادرات والسياحة والاستثمار والإيرادات الخدمية، بالتزامن مع تبني سياسات مالية تحمي القوة الشرائية للفئات الأكثر تضررًا.

كما تبرز أهمية تحسين قدرة الاقتصاد على جذب استثمارات طويلة الأجل، بما يقلل الاعتماد على التدفقات السريعة التي قد تتغير اتجاهاتها عند حدوث اضطرابات إقليمية أو تحولات في الأسواق العالمية.

ولا تقتصر المفاضلة أمام القاهرة على الاختيار بين سعر أقل أو أعلى للدولار، بل تمتد إلى كيفية توزيع تكلفة الصدمة الاقتصادية بين الاحتياطيات النقدية والسوق والموازنة العامة.

فقد يؤدي التدخل المتكرر إلى تخفيف الضغوط مؤقتًا، لكنه قد يستهلك موارد تحتاج إليها الدولة لمواجهة التزاماتها الخارجية، بينما يسمح سعر الصرف الأكثر مرونة بامتصاص جانب من الصدمات، مع استخدام السياسات المالية لحماية المواطنين من التداعيات الأكثر حدة.