هدنة سريعة أم دولة موحدة؟.. القاهرة وواشنطن أمام عقدة السودان
دخلت الحرب السودانية عامها الرابع، مخلفةً وراءها دولة مثقلة بالدمار، وملايين النازحين، واقتصادًا يتآكل تحت وطأة القتال والانقسام. لكن الأزمة، التي تبدو في ظاهرها صراعًا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحولت إلى اختبار أكثر تعقيدًا للعلاقات بين القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في البحث عن مخرج، وفي مقدمتها مصر والولايات المتحدة.
وفي العلن، تتحدث القاهرة وواشنطن، وفقًا لصحيفة «الإندبندنت»، بلغة مشتركة عن وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتهيئة الطريق أمام تسوية سياسية. لكن خلف هذه اللغة المشتركة تبرز أسئلة أكثر تعقيدًا حول شكل الدولة السودانية المقبلة: من يحتفظ بمؤسسات الدولة؟ وما موقع الجيش في المرحلة القادمة؟ وما مصير قوات الدعم السريع؟ وهل تبدأ التسوية بوقف إطلاق النار أولًا، أم بإعادة ترتيب الخريطة العسكرية والأمنية قبل الانتقال إلى المسار السياسي؟
وأشارت الإندبندنت إلى أن هذا التباين اكتسب زخما خلال سبتمبر 2026، بعدما ربطت واشنطن حضور قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بموقف الخرطوم من مقترح أميركي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوما.
وقالت مصادر سودانية وغربية لـ"رويترز" إن واشنطن حجبت التأشيرة عن البرهان في ظل رفض الجيش المقترح الأميركي، بينما أعلنت الخارجية الأميركية أن القوات المسلحة السودانية والدعم السريع وقادتهما لا يمثلون حكما شرعيا أو دستوريا للسودان، وهنا تحديدًا تظهر المسافة بين القاهرة وواشنطن.
مصر ترى الدولة أولا
تنطلق المواقف المصرية من أن أي اتفاق لا يحافظ على وحدة السودان ومؤسساته يمكن أن يتحول إلى هدنة بين جبهتين، لا إلى تسوية تنهي الحرب.
وبالنسبة للقاهرة، لا تتوقف القضية عند وقف إطلاق النار، وإنما تمتد إلى شكل الدولة التي ستخرج من الحرب، ولذلك تتعامل مصر مع الجيش ومؤسسات الدولة السودانية باعتبارها جزءا من البنية التي ينبغي الحفاظ عليها خلال أي انتقال سياسي، مع رفض إنشاء حكومة أو مؤسسات موازية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
هذه النقطة تضع القاهرة أمام معادلة دقيقة تتلخص في دعم وقف الحرب من دون تحويل وقف إطلاق النار إلى آلية لتكريس انقسام جغرافي وسياسي دائم.
وتزداد حساسية الموقف المصري بسبب موقع السودان، فالدولة الواقعة جنوب مصر ليست ملفا خارجيا عاديا بالنسبة إلى القاهرة؛ حدود طويلة، وامتدادات أمنية، وحركة نزوح، وأمن البحر الأحمر، فضلا عن ارتباط السودان المباشر بحسابات حوض النيل والقرن الأفريقي.
لذلك تبدو وحدة السودان بالنسبة إلى مصر قضية تتجاوز تفاصيل المفاوضات الحالية، إلى تصور أوسع للأمن الإقليمي.
واشنطن تغير قواعد الضغط
أما الإدارة الأمريكية فتدفع بصورة أوضح نحو وقف سريع للقتال، ثم استخدام الهدنة كمدخل إلى انتقال سياسي تقوده قوى مدنية، لكن المواقف الأمريكية الحالية لا تمنح الجيش أو الدعم السريع وضعا سياسيا خاصا، بل تتعامل مع الطرفين باعتبارهما مسؤولين عن استمرار الحرب، مع السعي إلى ممارسة ضغط متزامن عليهما وعلى الجهات الخارجية التي تقدم دعما عسكريا أو ماليا.
وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية إن واشنطن مستعدة للعمل مع "شريك جاد من أجل السلام"، بينما تسعى إلى رفع كلفة استمرار الحرب على الأطراف المتحاربة والشبكات التي تغذي الصراع. وجاء ذلك بالتزامن مع تصاعد الخلاف حول مقترح الهدنة الأميركية.
وتكشف هذه اللغة عن تحول مهم في طريقة واشنطن للتعامل مع الملف، إذ لم تعد القضية بالنسبة إليها مرتبطة فقط بالتوسط بين طرفين عسكريين، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بالسؤال عن الجهة التي يمكن أن تمثل السودان سياسيا بعد توقف القتال.
عقدة الجيش والدعم السريع
تظهر الفجوة بصورة أوضح عند الحديث عن مستقبل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وتريد الخرطوم ترتيبات أمنية تضمن خروج الدعم السريع من المدن والمناطق التي سيطر عليها، ثم نزع سلاحه وتسريح عناصره وإعادة دمج من تنطبق عليهم الشروط داخل مؤسسات الدولة، مع بقاء الجيش باعتباره المؤسسة العسكرية الوطنية.
وفي المقابل، تركز واشنطن على وقف الحرب أولا، وفتح المجال أمام عملية سياسية مدنية، بحيث لا تصبح نتائج المعركة العسكرية أساسا لتحديد مستقبل الحكم، ومن هنا تتضارب الأولويات الزمنية؛ فهل تعالج التسوية وضع السلاح أولا ثم تنتقل إلى السياسة؟ أم توقف القتال وتبدأ بالتوازي معالجة الملفات العسكرية والسياسية ولكن الفارق يبدو تقنيا، لكنه في الواقع يمس جوهر مستقبل السودان.
البرهان يدخل المواجهة الدبلوماسية
أزمة تأشيرة البرهان إلى الولايات المتحدة أظهرت حجم التوتر الجديد. وربطت مصادر سودانية وغربية قريبة من الملف قرار التأشيرة بالمقترح الأميركي للهدنة، فيما أثارت الخرطوم المسألة أمام الأمم المتحدة، معتبرة أن منع رئيس مجلس السيادة الانتقالي من حضور اجتماعات الجمعية العامة يمثل مشكلة تتصل بالتزامات الولايات المتحدة تجاه الدول الأعضاء.
وقالت الأمم المتحدة إنها تشعر بقلق بالغ بشأن عدم إصدار التأشيرة، وإن الأمين العام أنطونيو جوتيريش يتواصل مع الجانب الأميركي بشأن القضية.
لكن واشنطن لم تتعامل مع المسألة باعتبارها خلافا إجرائيا على تأشيرة، بل وضعتها داخل إطار أوسع يتعلق بشرعية أطراف الحرب وقدرتها على قيادة المرحلة المقبلة. وهذا ما يجعل الخلاف أكثر عمقا من أزمة بروتوكولية.
مصر داخل الرباعية.. لكن بحسابات مختلفة
تعمل مصر والولايات المتحدة والسعودية والإمارات داخل المجموعة الرباعية المعنية بالسودان، وهو الإطار الذي يفترض أن يوفر مساحة لتنسيق الضغوط والمساعي الدبلوماسية، ولكن وجود القاهرة داخل الرباعية لا يعني تطابق حساباتها مع واشنطن في كل التفاصيل.
فمصر تريد منع تحول الحرب إلى تقسيم دائم للسودان، بينما تضع الولايات المتحدة أولوية أعلى على وقف القتال وفتح مسار مدني. والسعودية والإمارات بدورهما تحملان حسابات إقليمية خاصة، ما يجعل الرباعية نفسها مساحة للتنسيق والتفاوض، وليس بالضرورة كتلة سياسية متطابقة.
وتشير تحليلات سابقة لمعهد واشنطن إلى وجود اختلافات داخل الرباعية بشأن دور المؤسسات العسكرية ومستقبل الجيش في السودان، مع ميل مصر والسعودية إلى الحفاظ على دور مؤسسات الدولة والقوات المسلحة، مقابل مواقف أكثر تشددا تجاه الدور السياسي للمؤسسة العسكرية.
حرب تتجاوز حدود السودان
يزداد تعقيد المشهد مع اتساع شبكة التدخلات الخارجية. فالحرب لم تعد ممولة ومسلحة من الداخل فقط. وأظهر تقرير للأمم المتحدة، نقلت عنه "أسوشيتد برس" هذا الشهر، وجود شبكات خارجية تمد طرفي الصراع بالسلاح والمقاتلين والتدريب، مع ورود أسماء وجهات من دول عدة في التحقيقات المتعلقة بإمدادات الدعم العسكري. كما حذر التقرير من استمرار تأثير هذه الشبكات في إطالة أمد الحرب.
وفي الوقت نفسه، يناقش مجلس الأمن توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل السودان بأكمله، في خطوة تدفع إليها واشنطن بينما تعارضها الخرطوم وتتحفظ عليها دول أخرى بدعوى أنها قد تمس قدرة السودان على الدفاع عن نفسه. وقرر المجلس أخيرا تمديد الحظر الحالي بصورة مؤقتة مع استمرار النقاش حول التوسيع.
الاقتصاد يضيف إلى الأزمة أزمات
وحتى لو توقفت المدافع، ستظل هناك حرب أخرى داخل السودان: حرب الاقتصاد، وفقد الجنيه السوداني قرابة نصف قيمته منذ بداية صيف 2026 في المناطق الخاضعة للجيش، مع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 7500 جنيه مقابل 4100 في مايو. وربط التقرير التدهور الاقتصادي بما وصفه بانقسام اقتصادي متزايد، مع وجود موارد تصديرية مهمة مثل الذهب والصمغ العربي في مناطق متنازع عليها.
أين تقف التسوية الآن؟
تكمن المشكلة في أن القاهرة وواشنطن لا تختلفان على ضرورة إنهاء الحرب، وإنما تختلفان بدرجة أكبر على الطريق الذي يقود إلى نهايتها.
وتخشى مصر أن تتحول الهدنة إلى غطاء لتثبيت واقع عسكري منقسم، في حين تخشى واشنطن أن يتحول الحفاظ على مؤسسات الدولة إلى ذريعة لاستمرار نفوذ القيادات العسكرية وتأجيل الانتقال المدني. وبين هذين التصورين تقف المفاوضات السودانية نفسها.