< النائب د. محمد فؤاد يكتب: حكومة المسار البديل
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

النائب د. محمد فؤاد يكتب: حكومة المسار البديل

النائب د. محمد فؤاد
النائب د. محمد فؤاد

في السكك الحديدية، حين يتعطل الخط الرئيسي، يُحوَّل القطار إلى مسار بديل، مُعدّ سلفًا ومهيّأ للاستخدام، يضمن وصوله إلى وجهته. لكن في حالة الحكومة، يبدو أن “المسار البديل” اتخذ معنى مختلفًا؛ إذ أصبح خطابها يسير في مسار موازٍ لما يعيشه المواطن.

فبينما تمضي التصريحات والأرقام بسلاسة في مسار، يسير الناس بضغوطهم في مسار آخر. ومع استمرار التباعد، تبدو الصورة التي ترسمها الحكومة بعيدة عما يلمسه المواطن في دخله وخدماته وتكاليف معيشته.

وهذا ما سألت عنه قبل أيام، خلال مساحة نقاشية، بشأن مؤتمر الحكومة المرتقب في أكتوبر: “إيه اللي متوقعين يغيّره بريزنتيشن في واقع الناس حاسّاه؟”

لم يكن السؤال استفزازًا، بل محاولة لفهم منطق «المسارات البديلة». فعندما لم يعد البرلمان مساحة كافية للاستماع إلى الناس، أُنشئ حوار مجتمعي لسماعهم. وحين لا يشعر المواطنون بالإنجازات، يأتي مؤتمر لشرح ما لم يلمسوه. وهكذا ننشئ منصة للاستماع وأخرى للإقناع، بينما تظل الحاجة قائمة إلى إصلاح التمثيل النيابي ومراجعة السياسات ونتائجها.

حين يصبح التبرير سياسة

المشكلة ليست أن الحكومة أخفقت في بعض مستهدفاتها؛ فكل الحكومات تخطئ، وقد تفرض الظروف تعديل الخطط. لكن المشكلة تبدأ حين يحلّ تبرير الإخفاق محل تفسير أسبابه ومحاسبة المسؤولين عنه.

يُعلَن الهدف، ثم حين لا يتحقق، نسمع أن الظروف تغيّرت، وأن أزمات طارئة تدخلت، وأن الوضع كان يمكن أن يكون أسوأ. لكن هذه التفسيرات لا تسد الفجوة بين المستهدف والمتحقق، ولا تُسقط سؤال المسؤولية.

تفترض السردية الوطنية للتنمية الشاملة نموًا سنويًا للصادرات بنحو 15%، ورفع الصادرات السلعية والخدمية من 72.3 مليار دولار خلال 2025/2026 إلى 84.8 مليار في العام التالي، وصولًا إلى 145 مليار دولار بحلول 2030. لكن بيانات النصف الأول من 2026 تشير إلى نمو إجمالي الصادرات بنحو 7%، والصادرات غير البترولية بنحو 3%. ومع اختلاف نطاق هذه المؤشرات وفتراتها، يبقى السؤال: ما السياسات التي سترفع معدلات النمو إلى المستوى المطلوب، ومتى يظهر أثرها؟

وفي الغاز، كان المستهدف رفع الإنتاج من نحو 4.8 إلى 5.5 مليار قدم مكعب يوميًا، لكنه هبط إلى نحو 3.64 مليار، بتراجع يقارب 24% خلال عامين. هنا تحركنا عكس المستهدف، ودفع الاقتصاد الثمن في واردات إضافية وضغوط على العملة والموازنة والكهرباء والصناعة.

ومع ظهور هذه الفجوة، انتقل الخطاب إلى مؤشرات أخرى، منها إنتاج الزيت وعدد الآبار والاستثمارات ونشاط التكرير. وقد تقدم النائب حسين هريدي بسؤال برلماني إلى وزير التخطيط بشأن إعلان تحسن أداء قطاع البترول استنادًا إلى نمو التكرير رغم تراجع إنتاج الغاز. فتحسن مؤشر فرعي لا يكفي وحده للحكم على القطاع، وتغيير الرقم المعروض لا يمحو الإخفاق في تحقيق الهدف الأساسي.

الفقر الذي اختفى من الرواية

الأشد إشكالية أن مؤشرات أساسية لتقييم السياسات لا تُحدَّث أو لا تُعلن في وقت يسمح بقراءة الواقع. فآخر معدل فقر معلن رسميًا بلغ 29.7% خلال 2019/2020، ثم توالت موجات التضخم وخفض قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما غاب الرقم المحدّث.

وفي ظل تأخر بحث الدخل والإنفاق، قدّرت دراسة لمركز حلول للسياسات البديلة بالتعاون مع الدكتورة هبة الليثي معدل الفقر بنحو 35.7% في يوليو 2023، وأعدّ حزب العدل دراسة حول الدخل والطبقة الوسطى حظيت باهتمام إعلامي واسع. وهذه التقديرات لا تغني عن الإحصاء الرسمي، لكنها تستحق المناقشة والتحقق؛ فغياب الرقم لا يلغي معاناة يلمسها المواطن في الغذاء والكهرباء والتعليم والعلاج.

الحكومة في مواجهة تجربة المواطن

يمكن الاستعانة بمفاهيم من علم النفس والاتصال لفهم الفجوة بين الخطاب الرسمي وتجربة المواطن. فالتناقض بين رسالة تؤكد تحسن الأمور وتجربة يومية لا تؤيدها قد يولّد توترًا لا يحسمه تكرار الرسالة. ولا يمكن مطالبة المواطن بتجاهل تجربته لمصلحة خطاب لا يجد ما يصدّقه في واقعه.

وتوضح نظرية “عدم تطابق التوقعات” أن الناس تقارن ما حصلت عليه بما توقعت الحصول عليه؛ وكلما اتسعت الفجوة، ازداد عدم الرضا. وقد تساعد فكرة «المقاومة النفسية» في تفسير رفض الرسائل التي يشعر متلقيها بأنها تضغط عليه لتبنّي حكم محدد، بدلًا من تمكينه من تكوين حكمه بنفسه.

وفي علم التنظيم، يشير “الانفصال المؤسسي” إلى الفجوة بين السياسات المعلنة والممارسات الفعلية. وهنا تفقد المستهدفات وظيفتها حين تتحول من أدوات لقياس الأداء وتصحيحه إلى أرقام تتصدر المؤتمرات، ثم تغيب عند التقييم.

لذلك، تحتاج الحكومة قبل إعداد عرض جديد إلى مراجعة نتائج سياساتها؛ فالثقة تُبنى بصدق الرسالة واتساقها مع التجربة. وإذا غاب الأثر، فلن يعوّضه الشرح مهما بلغت براعته.

الحل ليس لغزًا

والحل لا يحتاج إلى «مقايضة كبرى» أو تصور معقد؛ بل يبدأ بقاعدة يعرفها كل إنسان في عمله: من يتولى مسؤولية يُحاسَب على نتائجها. وإذا أخفق، فعليه تفسير الأسباب وتصحيح المسار، وتحمّل التبعات إذا عجز. فلماذا تتوقف هذه القاعدة عند باب الحكومة؟

أصل الأزمة أن الإخفاق المتكرر لم يعد يرتّب مسؤولية سياسية واضحة. وما دامت الأهداف المتعثرة لا تقود إلى مراجعة السياسات وأداء المسؤولين، فستُعلَن أهداف جديدة، وتتكرر التبريرات نفسها، ثم يُلام المواطن على عدم تقدير الإنجازات، وتُعلَّق كل كبوة على الظروف الدولية.

ولا يعني ذلك إنكار الأزمات الخارجية؛ فهي حقيقية ومؤثرة. لكن حجم الضرر يرتبط أيضًا بسلامة بنية الاقتصاد، واستعداده للصدمات، وكفاءة إدارته. والحكومة تُقيَّم على قدرتها على التعامل مع الأزمات، فلا يجوز أن تصبح الظروف الدولية إعفاءً دائمًا من المسؤولية أو ستارًا لأخطاء الإدارة.

لهذا أرى أن الحكومة الحالية استنفدت فرصها. وأتمنى أن يكون مؤتمر أكتوبر مناسبة لتقديم حساب عمّا تحقق وما لم يتحقق، والاعتراف بالإخفاق والاعتذار عنه، ثم تحمّل المسؤولية بالرحيل. فالدولة أكبر من أي حكومة، واستقرار مصر يحتاج إلى مؤسسات قادرة على المراجعة والتغيير.

ولا أعفي البرلمان من المسؤولية؛ فواجبه مواجهة الحكومة بالفجوة بين وعودها ونتائجها، واستخدام أدوات الرقابة والمساءلة بجدية، وهو ما نسعى إليه في حزب العدل. فلا تكفي جلسات تنتهي بالاستماع إلى التبريرات دون تصحيح أو محاسبة.

ليس العيب أن تخطئ الحكومة؛ العيب أن يتكرر الخطأ ويغيب التصحيح، ثم يُطلب من المواطن أن يشكّ في تجربته. والمسار البديل الذي تحتاجه مصر هو مسار يغيّر النتائج، ويعيد للمسؤولية تبعاتها، وللمواطن ثقته بأن صوته يؤثر في القرار.