رام الله تنتظر الانتخابات وسط جمود الحياة السياسية الفلسطينية
قبل نحو شهرين من الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 نوفمبر، تبدو رام الله غارقة في حالة من الشك تجاه إمكانية إجراء الاقتراع فعليا، بينما يفترض أن يعيد فتح المسار البرلماني بعد توقف استمر نحو 20 عاما. وبينما تقترب أول انتخابات تشريعية منذ عقدين، لا تبدو الحماسة الشعبية في الضفة الغربية متناسبة مع أهمية الاستحقاق المرتقب، إذ يطغى الشك على النقاشات السياسية في المدينة، وفقا لصحيفة لوموند الفرنسية.
وتختصر حالة مبنى المجلس التشريعي الفلسطيني في رام الله جانبا كبيرا من المشهد السياسي والمؤسسي. فالمبنى المتداعي، الذي يفترض أن يستقبل النواب بعد الانتخابات، يعكس سنوات طويلة من الجمود. انهار جزء من السقف تحت تأثير الرطوبة المستمرة، وسقطت معه الزخارف المضيئة والكتابات العربية التي كانت تعلو مقعد الرئيس. وغطي غبار رمادي طبقة الطلاء فوق المكاتب، بينما بقيت الميكروفونات صامتة، في وقت يقول العاملون إن فواتير الكهرباء لم تسدد منذ عام 2020.
المبنى المهجور
داخل المبنى المهجور، تبدو آثار الحياة البرلمانية السابقة حاضرة رغم غياب النواب. ويقول حارس المبنى سمير الخياري، البالغ 42 عاما، إن إنفاق الأموال على مكان لم يعد مستخدما لا يبدو منطقيا، لكنه يقر بأنه ينتظر عودة الحياة السياسية إلى القاعة، لأن البلاد تحتاج إلى ذلك. ويحتفظ الحارس بذاكرة تفاصيل المكان، ويستطيع تسمية النواب السابقين وتحديد المقاعد التي كانوا يجلسون عليها.
وكان آخر استخدام فعلي للمجلس التشريعي قد ارتبط بعام 2007، بعد عام واحد من الانتخابات التي أوصلت حماس إلى السلطة، ثم اندلعت مواجهات استمرت عدة أشهر بين الحركة الإسلامية وحركة فتح بزعامة محمود عباس. وأسهمت العزلة التي أعقبت ذلك، ثم سيطرة حماس على قطاع غزة، في تكريس الانقسام السياسي والمؤسسي بين الضفة الغربية والقطاع.
ومنذ ذلك الوقت، دخل العمل البرلماني في حالة شلل امتدت لأكثر من عقد، بينما بقيت المؤسسة نفسها شاهدا على الانقسام الذي فصل الأراضي الفلسطينية إلى واقعين سياسيين منفصلين.
حل المجلس
وفي ديسمبر 2018، تقرر حل المجلس التشريعي رسميا، لتتوقف بذلك الحياة البرلمانية داخل المؤسسة بصورة كاملة. ومنذ ذلك الحين، لم تطأ أرضيات المبنى المتشققة سوى أعداد محدودة من الأشخاص، باستثناء بعض الجهات المانحة التي أبدت اهتماما بمشروع لترميمه.
وتجري حاليا جهود لإعادة تأهيل المبنى بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبمشاركة أكثر من 20 شريكا، في محاولة لإعادة المكان إلى وضع يسمح باستئناف العمل البرلماني إذا مضت الانتخابات قدما. ووفقا لإبراهيم كريشة، الأمين العام السابق للمجلس التشريعي الفلسطيني، تشارك هذه الجهات في مشروع الترميم الذي يعكس الرغبة في إعادة استخدام مؤسسة بقيت مغلقة لسنوات.
انتخابات بعد عقدين
وتأتي الانتخابات المقررة في 28 نوفمبر في ظل واقع سياسي مختلف تماما عن المرحلة التي شهدت آخر انتخابات تشريعية. فالاقتراع المرتقب يفترض أن يعيد تشغيل المجلس التشريعي بعد توقف دام عقدين، لكن الأجواء في رام الله تكشف عن فجوة بين الموعد المعلن وبين الثقة في إمكانية وصول العملية إلى يوم التصويت.
ويشير المشهد داخل مبنى المجلس إلى حجم المهمة التي تنتظر الحياة السياسية الفلسطينية. فالمقاعد التي كانت تشغلها شخصيات منتخبة، والميكروفونات التي صمتت، والسقف المتساقط، وفواتير الكهرباء غير المسددة، كلها تفاصيل مادية تعكس سنوات الجمود السياسي والمؤسسي.
كما يكشف تاريخ المجلس عن مسار معقد بدأ بعد انتخابات 2006، التي أفضت إلى فوز حماس، ثم تصاعدت الخلافات مع فتح وصولا إلى مواجهات 2007 وسيطرة الحركة على غزة. وبعد الانقسام، أصبح استئناف العمل البرلماني مرتبطا بإعادة ترتيب العلاقة بين الضفة والقطاع، وبقدرة النظام السياسي الفلسطيني على تجاوز آثار ذلك الانقسام.
وفي الوقت نفسه، فإن مشروع ترميم المجلس يمنح المبنى وظيفة تتجاوز إصلاح الجدران والأسقف. فإعادة تأهيل القاعة والمكاتب تعني تجهيز مؤسسة سياسية يفترض أن تستعيد دورها بعد سنوات من الغياب. وبينما تستعد الجهات المعنية للانتخابات، يظل السؤال العملي مرتبطا بقدرة هذا المسار على الانتقال من الموعد المعلن إلى اقتراع فعلي.
وبالنسبة لسكان رام الله، لا تقدم حالة المبنى وحدها إجابة عن مستقبل الانتخابات، لكنها تمنح صورة ملموسة عن المسافة التي تفصل الحياة السياسية الحالية عن آخر مرحلة كان فيها المجلس التشريعي يعمل بصورة منتظمة. وبعد نحو عشرين عاما من التوقف، تقف المدينة أمام استحقاق انتخابي يفترض أن يعيد البرلمان إلى المشهد، فيما لا تزال علامات الجمود واضحة داخل المؤسسة التي يفترض أن تحتضنه.