< لماذا قررت الجزائر قطع علاقاتها مع الإمارات؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

لماذا قررت الجزائر قطع علاقاتها مع الإمارات؟

الرئيس نيوز

في تطور مفاجئ، أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، لتصل العلاقات بين البلدين إلى نقطة اللاعودة بعد سنوات من التوتر الصامت.
وقالت وزارة الخارجية الجزائرية في بيان نشرته وكالة الأنباء الجزائرية إن قرار قطع العلاقات جاء “بعد استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية”، لتدخل العلاقات الجزائرية الإماراتية بذلك مرحلة جديدة بعد سنوات من التعاون السياسي والاقتصادي.
وعقب قرار الجزائر، أكد المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش، في منشور عبر منصة “أكس” أن تلك العلاقات تدار بالعقل والتواصل ووضوح المصالح لا بالألغاز والإشارات التي تحتاج إلى فكّ الشفرات.

وعرفت العلاقات الجزائرية الإماراتية خلال سنوات سابقة تعاونا اقتصاديا واسعا، وشهدت حضورا إماراتيا في قطاعات مختلفة داخل الجزائر، من الموانئ إلى الصناعة والتبغ والاستثمار.
وكانت شركة موانئ دبي العالمية قد حصلت سنة 2009 على عقد امتياز لتسيير ميناء الجزائر، كما نشأت شراكات جزائرية إماراتية في مجالات صناعية واقتصادية مختلفة.
غير أن المصالح الاقتصادية لم تمنع ظهور تباينات سياسية، خاصة مع التحولات التي عرفتها المنطقة العربية وشمال أفريقيا خلال العقد الأخير.
وأضاف الحراك الشعبي الذي اندلع في الجزائر سنة 2019 بعدا جديدا إلى العلاقة، فخلال المرحلة التي أعقبت استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، برزت في الخطاب السياسي والإعلامي الجزائري مخاوف من محاولات قوى إقليمية التأثير في مسار الأحداث الداخلية.
ومع أن القنوات الرسمية بين البلدين ظلت مفتوحة، فإن تلك المرحلة كشفت عن اختلاف أعمق في النظرة إلى طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه القوى الإقليمية في المنطقة.
وفي أغسطس 2020، أعلنت الإمارات إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ضمن اتفاقات أبراهام، ولم تكن الجزائر ضمن الدول العربية التي اختارت التطبيع، بل حافظت على موقفها الداعم للقضية الفلسطينية والرافض لإقامة علاقات مع إسرائيل في ظل استمرار الاحتلال.
وأثار القرار الإماراتي انتقادات سياسية في الجزائر، ووصل الأمر إلى مطالبة بعض القوى السياسية بمراجعة طبيعة العلاقات مع أبوظبي.
وكان لافتًا إحجام الرئيس الجزائري عن زيارة الإمارات خلال جولة خليجية شملت، في مارس 2022، قطر والكويت، بعدما كان قد زار الرياض.
ورغم أن التطبيع لم يكن سببا مباشرا في قطع العلاقات، فإنه أضاف ملفا آخر إلى قائمة القضايا التي تختلف فيها رؤية الجزائر عن رؤية الإمارات للمنطقة.
ومع اتساع الدور الإماراتي في عدد من الملفات الإقليمية، أصبح التباين مع الجزائر أكثر ارتباطا بقضايا تعتبرها الأخيرة جزءا من أمنها القومي.
وتبرز ليبيا في مقدمة هذه الملفات، إلى جانب منطقة الساحل، حيث ترفض الجزائر تقليديا التدخلات الأجنبية في محيطها المباشر، وتدعو إلى حلول سياسية تقودها الأطراف المحلية.
وفي المقابل، اتبعت الإمارات خلال السنوات الماضية سياسة إقليمية أكثر حضورا في عدد من أزمات المنطقة، الأمر الذي وضع مواقف البلدين في مواجهة غير مباشرة في أكثر من ملف.
وفي يونيو 2023، انتشرت أخبار تتحدث عن مطالبة الجزائر السفير الإماراتي بمغادرة البلاد، لكن وزارة الخارجية الجزائرية سارعت إلى نفي هذه المعلومات، ووصفتها بأنها “مزيفة ولا أساس لها من الصحة”، مؤكدة في ذلك الوقت استمرار العلاقات الثنائية.
وتطورت القضية إعلاميا بعدما استدعت سلطة ضبط السمعي البصري مسؤولي قناة “النهار” على خلفية نشر خبر طرد السفير.
وبعد ذلك، أجرى وزير الخارجية أحمد عطاف اتصالا هاتفيا بنظيره الإماراتي عبد الله بن زايد، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة.
ورغم أن القطيعة لم تقع آنذاك، فإن الواقعة أظهرت أن العلاقة أصبحت شديدة الحساسية، وأن أي تطور إعلامي بشأنها بات قادرا على إثارة أزمة سياسية واسعة.
وفي يونيو 2024، التقى الرئيس عبد المجيد تبون نظيره الإماراتي محمد بن زايد على هامش قمة مجموعة السبع في إيطاليا، وكان اللقاء لافتا بالنظر إلى حالة “الخلاف الصامت” التي كانت تحيط بالعلاقات بين الجزائر وأبوظبي.
وأكدت هذه المحطة أن قنوات الاتصال السياسية لم تكن مغلقة، وأن الطرفين أبقيا على إمكانية إدارة الخلاف عبر الحوار، لكن اللقاء لم ينهِ التباينات التي تراكمت حول الملفات الإقليمية والثنائية.
وبقيت العلاقة قائمة رسميا، بينما استمرت علامات التوتر في الظهور بين فترة وأخرى.
ودخلت العلاقات مرحلة مختلفة خلال سنة 2026، بعدما انتقلت الخلافات من مستوى المواقف والتصريحات إلى إجراءات عملية.
وكان من أبرز تلك الخطوات شروع الجزائر في إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات، وهي الاتفاقية التي وقعت في أبوظبي يوم 13 مايو 2013 وصودق عليها بمرسوم رئاسي في ديسمبر 2014.
ورغم أن إلغاء الاتفاقية لم يكن يعني توقف الرحلات بشكل فوري، فإن توقيت الخطوة منحها أهمية سياسية، خصوصا أنها جاءت في ظل تصاعد التوتر بين البلدين.
وفي يوليو الماضي، صرح الرئيس عبد المجيد تبون بأن علاقات بلاده مع جميع دول الخليج دافئة باستثناء دولة واحدة، في إشارة مبطنة إلى الإمارات العربية المتحدة.
ووصف العلاقات مع السعودية والكويت وعمان وقطر بأنها “أخوية”، بينما اتهم الدولة التي لم يسمها بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر والسعي إلى زعزعة استقرارها.